فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 269

وهكذا ينتهي المعتزلة إلى نفي صفة الشرك التي حاول الأشاعرة الصاقها بهم، كما ينتهون إلى تأكيد أن الانسان هو خالق أفعاله حسب قصده وارادته الحرة.

والفارق بين ما يخلقه الله وبين ما يخلقه الانسان هو الفارق بين قدرة الله اللامتناهية وقدرة الانسان المحدودة، تلك القدرة التي لا تتعلق إلّا بتصرفاته دون غيرها من الأجسام والأعراض التي لا يقدر عليها إلّا الله جل وعز.

وآخر ما يستدل به الأشاعرة قولهم إن من شروط من يقدر على الخلق أن يكون عالما بما يخلقه. ولمّا كان علم الله يشمل كل ما يمكن أن يعلم، فمن الطبيعي أن يشتمل خلقه على كل ما يمكن أن يخلق «لأن الخالق الصانع أقل ما يوصف به علمه بخلقه كما قال: {أَلََا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} (الملك / 14) «يوضح ابن المنير السني هذا الدليل قائلا «إن أهل السنة يستدلون على أن العبد لا يخلق أفعاله بأنه لا يعلمها وهو استدلال بنفي اللازم الذي هو العلم على نفي الملزوم الذي هو الخلق.

وبهذه الملازمة دلّت الآية فإن الله تعالى أرشد إلى الاستدلال على ثبوت العلم له عز وجل بثبوت الخلق وهو استدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم».

ويتركّز الخلاف حول تأويل الآية بين المعتزلة وخصومهم في تحديد مفعول الفعل «خلق» . يذهب الأشاعرة إلى أن المفعول ضمير يعود إلى القول {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} أو إلى ضميره المحذوف في «يعلم» وعلى ذلك يكون «من فاعلا مرادا به الخالق ومفعول العلم محذوف تقديره ذلك إشارة إلى السر والجهر، ومفعول خلق محذوف ضميره عائد إلى ذلك. والتقدير في الجميع ألّا يعلم السر والجهر من خلقهما» . ويتركز تأويل القاضي عبد الجبار على أن «من» مفعول للفعل «يعلم» وليس فاعلا. كما يذهب إلى أن المفعول المحذوف في «خلق» ليس القول، بل أمر العباد عموما «واعلم أن المراد بذلك ألّا يعلم من خلق أمر العباد الذين يسرون بالقول ويجهرون، منبها بذلك على أنه لا تخفى عليه أحوالهم كتموها أو جهروا بها، ولو كان المراد به ما قالوه، لقال ألا يعلم ما خلق لأن القول لا يعبر عنه بمن لأن ذلك عبارة عن العقلاء» ولا تستقيم الآية من حيث المعنى على تأويل الأشاعرة «يبين ذلك أن هذا الكلام إذا لم يحمل على ما قلناه يجري مجرى أن يقول: وأسروا قولكم أو اجهروا به فاني عليم بما أنا فاعله. وهذا لا يستقيم» .

ومن المؤكد أن الآية في سياقها لا تساعد الأشاعرة على ما ذهبوا إليه، فقد وردت مورد الذم والتوبيخ لأولئك الذين يظنون أن الله غير مطّلع على خبايا صدورهم. ويدرك الزمخشري معنى الآية ويربط أولها بآخرها ربطا محكما، فيكون

مفعول «من خلق» «الأشياء وحاله أنه اللطيف الخبير المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه. ويجوز أن يكون من خلق منصوبا بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله» ويمنع الزمخشري أهل السنة من الاستدلال بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أن الخلق لا يصح إلّا مع العلم. ويستند في ذلك إلى أن تركيب الآية، ووصف الله في آخرها بأنه لطيف خبير يمنع من هذا الاستدلال «لأنك لو قلت ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن المعنى صحيحا لأن ألا يعلم معتمد على الحال والشيء لا يوقت بنفسه، فلا يقال ألا يعلم وهو عالم ولكن يقال ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت