فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 269

ومن المؤكد أن الآية في سياقها لا تساعد الأشاعرة على ما ذهبوا إليه، فقد وردت مورد الذم والتوبيخ لأولئك الذين يظنون أن الله غير مطّلع على خبايا صدورهم. ويدرك الزمخشري معنى الآية ويربط أولها بآخرها ربطا محكما، فيكون

مفعول «من خلق» «الأشياء وحاله أنه اللطيف الخبير المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه. ويجوز أن يكون من خلق منصوبا بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله» ويمنع الزمخشري أهل السنة من الاستدلال بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أن الخلق لا يصح إلّا مع العلم. ويستند في ذلك إلى أن تركيب الآية، ووصف الله في آخرها بأنه لطيف خبير يمنع من هذا الاستدلال «لأنك لو قلت ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن المعنى صحيحا لأن ألا يعلم معتمد على الحال والشيء لا يوقت بنفسه، فلا يقال ألا يعلم وهو عالم ولكن يقال ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء» .

(4) يلجأ المعتزلة بعد ذلك كله إلى ايراد أدلتهم التي تثبت مسئولية الانسان عن فعله. وهي تنقسم في القرآن إلى قسمين: أدلّة اثبات، وأدلّة نفي. أمّا أدلّة الاثبات فهي كل تلك الآيات التي تثبت تعلق فعل الانسان به وهي أنواع ثلاثة:

النوع الأول منها يشمل كل الآيات التي يضاف فيها الفعل إلى العبد بصيغة الفاعل اضافة واضحة «ويدل على ذلك من كتاب الله، سبحانه، كل اضافة للفعل إلى العبد بلفظ الفاعل نحول قوله {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة / 2) وسائر ما وصف به، مما يوجب اضافة الفعل إليه» . أمّا النوع الثاني من أدلّة الأثبات فيشمل كل الآيات التي تعلق الجزاء بأفعالهم نحو قوله تعالى: {جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ} «فلولا أنّا نعمل ونصنع، وإلّا كان هذا الكلام كذبا، وكان الجزاء على ما يخلقه فينا قبيحا» ويشمل النوع الثالث كل «ما في كتاب الله من الذم والتوبيخ نحو قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ، وَكُنْتُمْ أَمْوََاتًا فَأَحْيََاكُمْ} (البقرة / 28) ، وقوله: {فَمََا لَهُمْ لََا يُؤْمِنُونَ} (الانشقاق / 20) {وَمََا مَنَعَ النََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا}

(الاسراء / 49) ومن جملة ذلك قوله تعالى وتقدس: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كََافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} (التغابن / 2) أورد الآية على وجه التوبيخ، وذلك لا يحسن إلّا بعد احتياج الكفر والايمان إلينا وتعلقهما بنا، وإلّا كان ذلك بمنزلة أن يوبخ أحدنا على طول قامته وقصرها، فيقال قد انعمنا عليك وصنعنا بك وفعلنا، فقصرت قامتك أو طالت».

ويصعب على الأشاعرة رد هذه الأدلّة، وإن كانوا يحاولون ردها إلى مقولة «الكسب» الأشعرية، تلك المقولة التي تجعل وجه تعلق الفعل بالانسان هو الكسب دون الخلق والايجاد. يساوي الباقلاني بين الفعل والكسب حين يردّ على المعتزلة «فإن احتجّوا بقوله تعالى: {جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ} قالوا: فأثبت لنا العمل،

والعمل هو الفعل، والفعل هو الخلق. فالجواب أنه تعالى أراد هنا بالعمل الكسب. والعبد مكتسب على ما بيّنا. يدل على ذلك أنه قال في موضع آخر {جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ} (التوبة / 82) ونحن لا نمنع أن يكون سمّى الكسب عملا، إنما نمنع أن يكون العبد خالقا مخترعا مخرجا له من العدم إلى الوجود. وقد بيّنا أن الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلّا الله تعالى فلم يكن لهم في الآية حجة» ولا ينكر الأشاعرة بالطبع أن الانسان مجازى محاسب، ولكنهم يجعلون الجزاء عقابا على الكسب والارادة دون ايجاد الفعل وخلقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت