ويصعب على الأشاعرة رد هذه الأدلّة، وإن كانوا يحاولون ردها إلى مقولة «الكسب» الأشعرية، تلك المقولة التي تجعل وجه تعلق الفعل بالانسان هو الكسب دون الخلق والايجاد. يساوي الباقلاني بين الفعل والكسب حين يردّ على المعتزلة «فإن احتجّوا بقوله تعالى: {جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ} قالوا: فأثبت لنا العمل،
والعمل هو الفعل، والفعل هو الخلق. فالجواب أنه تعالى أراد هنا بالعمل الكسب. والعبد مكتسب على ما بيّنا. يدل على ذلك أنه قال في موضع آخر {جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ} (التوبة / 82) ونحن لا نمنع أن يكون سمّى الكسب عملا، إنما نمنع أن يكون العبد خالقا مخترعا مخرجا له من العدم إلى الوجود. وقد بيّنا أن الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلّا الله تعالى فلم يكن لهم في الآية حجة» ولا ينكر الأشاعرة بالطبع أن الانسان مجازى محاسب، ولكنهم يجعلون الجزاء عقابا على الكسب والارادة دون ايجاد الفعل وخلقه.
وثم آيات يمكن أن يستدل بها الأشاعرة على أن الانسان لم يوجد ضلاله ولم يخلق كفره، بل الله خلقه فيه، كما خلق فيه الايمان والهدى. وقد سبق أن تعرّضنا بالتفصيل لكثير من هذه الآيات وكشفنا عن تأويل المعتزلة لها في ثنايا القسم السابق من هذا الفصل، الأمر الذي يجعلنا نتجاوزها هنا حتى لا نقع في التكرار والاطالة.
غير أن المعتزلة لا يمنعون نسبة ايمان العبد إلى الله على أساس فكرة اللطف التي سبقت الاشارة إليها. ولا يتناقض ذلك على أي حال مع اصرارهم على نسبة أفعال العبد إليه، ما داموا قد نفوا عن الله إرادة الكفر والقبائح كلها أو خلقه اياها في العبد وهذا هو الهدف النهائي من قضية العدل كلها.
* * * ويطيل المعتزلة في شرح وتوضيح أدلة النفي التي تنفي عن الله خلق أفعال البشر، وذلك لأنها أدلة ينازعهم فيها خصومهم ولا يسلمون لهم بها. وأول هذه الأدلة قوله تعالى في سورة الملك / 3 {مََا تَرى ََ فِي خَلْقِ الرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ،} ذلك أن نفي التفاوت عن خلق الله، يعني بدليل الخطاب أن ما هو متفاوت ليس من خلقه. وأفعال العباد تتفاوت بين الحسن والقبيح، ولهذا لا يصح اسنادها إلى الله إذا كان قد نفى التفاوت عن خلقه. ويتركّز الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في تأويل هذه الآية حول نوع الفعل الالهي المقصود نفي التفاوت عنه.
ويذهب المعتزلة إلى أن المقصود بها نفي التفاوت في باب الحكمة، دون أن يكون المقصود بها نفي التفاوت في المخلوقات أو في صفاته عز وجل «إنما أراد بذلك في باب الحكمة، لأنه لو أراد في صفاته، لكان قد نفى ما ثبوته معلوم باضطرار لأنه تعالى يمدح بذلك، ولا يليق التمدح بنفي التفاوت عنها في سائر أوصافها، وإن كان ظاهر التفاوت يقتضي التناقض في الحكمة. ولذلك لا يقولون: إن خلق زيد متفاوت إلّا على هذا الوجه، ولا يقولون ذلك من حين يتغير خلقه على وجه يحمد.
فيجب أن ينفي أن يكون في فعله التفاوت في الحكمة من قبيح وحسن، بل يجب
كون جميعه حسنا. وذلك يمنع من كون أفعال العباد فعلا له. وليس لأحد أن يقول: إن الغرض بذلك نفي التناقض عن خلقه، وأنه ليس فيه متضاد، وذلك، لأن هذا علم استحالة وجوده من فعل أي فاعل كان لأمر يرجع إلى نفسه، فمعنى التمدح فيه لا يصح. وإنما قال سبحانه ذلك عقيب ذكره ما خلقه من الموت والحياة والتكليف، وأنه {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقًا} ثم نبه على عظيم نعمه بذلك، من حيث أنه خلقه على وجه يتسق في الحكمة، وإلّا خرج جميعه من أن يكون نعمة، لأنه لو كان في أفعاله شيء قبيح لفسد التدبير، ولم يثق المكلف بوعد ولا وعيد، وذلك يخرج كل أفعاله من أن تكون نعمة».