فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 269

فيجب أن ينفي أن يكون في فعله التفاوت في الحكمة من قبيح وحسن، بل يجب

كون جميعه حسنا. وذلك يمنع من كون أفعال العباد فعلا له. وليس لأحد أن يقول: إن الغرض بذلك نفي التناقض عن خلقه، وأنه ليس فيه متضاد، وذلك، لأن هذا علم استحالة وجوده من فعل أي فاعل كان لأمر يرجع إلى نفسه، فمعنى التمدح فيه لا يصح. وإنما قال سبحانه ذلك عقيب ذكره ما خلقه من الموت والحياة والتكليف، وأنه {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقًا} ثم نبه على عظيم نعمه بذلك، من حيث أنه خلقه على وجه يتسق في الحكمة، وإلّا خرج جميعه من أن يكون نعمة، لأنه لو كان في أفعاله شيء قبيح لفسد التدبير، ولم يثق المكلف بوعد ولا وعيد، وذلك يخرج كل أفعاله من أن تكون نعمة».

وهكذا يحدد المعتزلة معنى التفاوت بأنه التناقض أو الاضطراب، ثم ينكرون أن يكون نفي التفاوت واقعا على أفعال الله، لأنه تمدّح نفسه بذلك، فوصف نفسه بالرحمة وبالجبروت وهما صفتان متناقضتان ظاهريا، وإن كانتا غير متناقضتين في باب الحكمة. وهم من ناحية أخرى ينكرون أن يقع نفي التفاوت على مخلوقات الله، لأن فيها الصغير والكبير والطويل والقصير الخ. وعلى ذلك لا يبقى لهم إلّا أن نفي التفاوت عن خلق الله واقع في باب الحكمة. ومعنى ذلك أن كل أفعال الله تجري على نسق من الحكمة لا تفاوت فيها، وليست كذلك أفعال الانسان، وعلى ذلك فإن أفعال الانسان لا يمكن أن تكون مخلوقة لله. .

غير أن الأشاعرة لا يسلّمون للمعتزلة بهذا التفسير، على أساس أن قوله تعالى في آخر الآية {هَلْ تَرى ََ مِنْ فُطُورٍ} يدل أن المقصود بالآية نفي التفاوت عن المخلوقات، لأنه تعالى قال ذلك بعد قوله هو {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقًا}

ولم يذكر الله تعالى الكفر ولا أفعال العباد في هذه الآية فيكون للقدرية في ذلك حجة وفي الرد على هذا الاعتراض يستند المعتزلة إلى مبدأ من مبادئ أصول الفقه في التعميم والتخصيص. ومن رأي المعتزلة «أن تخصيص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها، ألا ترى أن قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلََاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة / 228) عام في المطلقات، البوائن منها والرجعيات، ثم تخصيص قوله {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} لا يقدح في عموم الأول. كذلك في مسألتنا» وهو مبدأ غريب لا يصح في تفسير سياق هذه الآية، وإن صحّ في أحكام الفقه.

والخلط في التفسير بين آيات الأحكام وآيات الصفات يتناقض مع ما سبق أن قاله القاضي نفسه عند اخراج آيات الأحكام من المحكم والمتشابه. وبالاضافة إلى ذلك كله فإن الآية كما قال الأشعري لا تشير من قريب أو من بعيد إلى خلق الأفعال. وهي واردة في بيان الحكمة الالهية في خلق السماوات، وعلى ذلك يعدّ

استدلال المعتزلة بهذه الآية استدلالا بدليل الخطاب لا بمنطوقه المباشر. وهذا أمر ينكره المعتزلة على خصومهم في مواضع كثيرة، بل وفي هذه الآية نفسها. ويبدو هذا التناقض واضحا في موقف القاضي حين يورد على نفسه اعتراضا فحواه «لو أمكن الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأفعال العباد لأن فيها التفاوت، وقد نفى التفاوت عن خلقه، أمكن أيضا أن يستدل بها على أن طاعات العباد كلها من جهة الله تعالى فلا تفاوت فيها» ينكر القاضي على خصومه هذا الاستدلال لأنه في رأيه «استدلال بدليل الخطاب، وذلك مما لا يعتبر في فروع الفقه، فكيف يعتبر في أصول الدين؟ يبين ذلك أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه خلافه، ألا ترى أن قائلا لو قال: فلان لا يظلم ولا يكذب، فإنما يقتضي هذا الكلام أنه لا يختار ما هو الظلم والكذب، وليس فيه أن ما هو خارج من هذين النوعين فإنه هو الفاعل له، كذلك في مسألتنا، ليس يجب إذا نفى الله تعالى التفاوت عن خلقه أن يضاف إليه كل ما لا تفاوت فيه، بل الواجب أن ينفى عنه جميع ما يتفاوت، ويكون ما لا تفاوت فيه موقوفا على الدلالة، فإن دلّ على أنه هو الفاعل له قيل به، وإن لم يدل، بل دلّ على خلافه لم يقل به. وفي مسألتنا قامت الدلالة على أن هذه التصرفات من الطاعات وغيرها متعلقة بنا لوقوعها بحسب قصدنا وداعينا، فيجب أن تكون فعلا لنا واقعا من جهتنا على ما قلناه» . غير أن هذا التناقض في موقف القاضي يمكن أن يفسّر في ضوء ما أشرنا إليه من أن القرآن تحوّل إلى وسيلة للاستدلال سواء بمنطوق الآيات المباشر، أو بمدلولها غير المباشر، وذلك عن طريق التأويل الذي يستند أولا إلى الدليل العقلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت