فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 269

والخلط في التفسير بين آيات الأحكام وآيات الصفات يتناقض مع ما سبق أن قاله القاضي نفسه عند اخراج آيات الأحكام من المحكم والمتشابه. وبالاضافة إلى ذلك كله فإن الآية كما قال الأشعري لا تشير من قريب أو من بعيد إلى خلق الأفعال. وهي واردة في بيان الحكمة الالهية في خلق السماوات، وعلى ذلك يعدّ

استدلال المعتزلة بهذه الآية استدلالا بدليل الخطاب لا بمنطوقه المباشر. وهذا أمر ينكره المعتزلة على خصومهم في مواضع كثيرة، بل وفي هذه الآية نفسها. ويبدو هذا التناقض واضحا في موقف القاضي حين يورد على نفسه اعتراضا فحواه «لو أمكن الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأفعال العباد لأن فيها التفاوت، وقد نفى التفاوت عن خلقه، أمكن أيضا أن يستدل بها على أن طاعات العباد كلها من جهة الله تعالى فلا تفاوت فيها» ينكر القاضي على خصومه هذا الاستدلال لأنه في رأيه «استدلال بدليل الخطاب، وذلك مما لا يعتبر في فروع الفقه، فكيف يعتبر في أصول الدين؟ يبين ذلك أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه خلافه، ألا ترى أن قائلا لو قال: فلان لا يظلم ولا يكذب، فإنما يقتضي هذا الكلام أنه لا يختار ما هو الظلم والكذب، وليس فيه أن ما هو خارج من هذين النوعين فإنه هو الفاعل له، كذلك في مسألتنا، ليس يجب إذا نفى الله تعالى التفاوت عن خلقه أن يضاف إليه كل ما لا تفاوت فيه، بل الواجب أن ينفى عنه جميع ما يتفاوت، ويكون ما لا تفاوت فيه موقوفا على الدلالة، فإن دلّ على أنه هو الفاعل له قيل به، وإن لم يدل، بل دلّ على خلافه لم يقل به. وفي مسألتنا قامت الدلالة على أن هذه التصرفات من الطاعات وغيرها متعلقة بنا لوقوعها بحسب قصدنا وداعينا، فيجب أن تكون فعلا لنا واقعا من جهتنا على ما قلناه» . غير أن هذا التناقض في موقف القاضي يمكن أن يفسّر في ضوء ما أشرنا إليه من أن القرآن تحوّل إلى وسيلة للاستدلال سواء بمنطوق الآيات المباشر، أو بمدلولها غير المباشر، وذلك عن طريق التأويل الذي يستند أولا إلى الدليل العقلي.

* * * والدليل الثاني الذي يستدل به المعتزلة هو قوله تعالى {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} (السجدة / 7) ويختلف المعتزلة مع الأشاعرة في توجيه الفعل «أحسن» ، ذلك أنه قد يكون مشتقا من الاحسان، أو من الحسن، بمعنى أنه قد يكون مشتقا من الفعل «أحسن» أو من الفعل «حسن» . ويذهب المعتزلة إلى أنه مشتق من «الحسن» لا من «الاحسان» وذلك «لأن في أفعاله تعالى ما لا يكون احسانا كالعقاب» وعلى العكس من ذلك يذهب الأشاعرة، فالمعنى عندهم «أنه يحسن أن يخلق كما يقال فلان يحسن الصياغة أي يعلم كيف يصوغ فأخبر الله تعالى أنه يعلم كيف يخلق الأشياء» ومعنى ذلك أن الأشاعرة يذهبون بالآية إلى معنى الخبر دون المدح الذي يؤكّده السياق ذََلِكَ عََالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهََادَةِ الْعَزِيزُ

الرَّحِيمُ. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسََانِ مِنْ طِينٍ

(السجدة / 76) والذي يتنبه إليه تفسير المعتزلة. ويحاول المعتزلة مناقشة هذا الاعتراض من جانب الأشاعرة، ولذلك يفرق القاضي عبد الجبار بين صيغة الماضي وصيغة المضارع في هذا الفعل «لأن أحسن بمعنى علم لم يجيء وإن جاء مضارعه، وليس يمتنع أن يستعمل مضارع ما لم يستعمل ماضيه. وعلى هذا استعملوا مضارع نحو: وذر، وودع، فقالوا: يذر ويدع، ولم يستعملوا ماضيه، فلم يقولوا: أوذر، ولا أودع. وصار هذا في بابه كاستعمالهم الماضي من دون استعمال المضارع نحو قولهم: عسى وليس، فحسب» ومن الواضح أن المعتزلة يريدون بهذا التوجيه للفعل أن يذهبوا إلى أن أفعال الله كلها حسنة، وليست كذلك أفعال الانسان، ومن ثم لا يصح الزعم بأن الله هو خالق أفعال الانسان. وغني عن البيان أن القاضي هنا يستدل كما فعل في الآية السابقة بدليل الخطاب، دون منطوقه المباشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت