ولقد كان من شأن هذه القسوة في معاملة الحسن وأمثاله على قدرهم وورعهم أن تجعلهم أقرب إلى المهادنة والتقية، على الأقل في مواجهة الحجاج وأمثاله. وإن كانوا حين يخلون إلى تلاميذهم يعلنون رأيهم بصراحة. وقد روي أن الحسن تلا يوما: {إِنََّا عَرَضْنَا الْأَمََانَةَ عَلَى السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبََالِ}
(الاحزاب: 72) ، ثم قال: «إن قوما غدوا في المطارف العتاق، والعمائم الرقاق، يطلبون الامارات ويضيعون الأمانات، يتعرضون للبلاء وهم منه في عافية، حتى إذا أخافوا من فوقهم من أهل العفّة، وظلموا من تحتهم من أهل الذمّة أهزلوا دينهم
وأسمنوا براذينهم، ووسعوا دينهم، وضيقوا قبورهم».
وإشارة الحسن إلى إخافة أهل العفّة، وظلم أهل الذمّة، لها دلالتها في تحديد طبيعة الثورة النفسية التي تعتمل في نفس رجل من الأتقياء، يدرك الظلم ويلمس مظاهره الاجتماعية في الاثراء على حساب الدين وفقراء المسلمين وغيرهم من أهل الأديان الأخرى. وجاء رجل يسأله يوما عن عطاء له عند بني أمية فقال «آخذ عطائي أم أدعه حتى آخذه من حسناتهم يوم القيامة؟ فقال له: قم ويحك خذ عطاءك فإن القوم مفاليس من الحسنات يوم القيامة» . ومعنى ذلك أن نزعة الزهد التي اشتهر بها الحسن لم تمنعه من ادراك الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي يمارسه رجال الدولة الأموية ضد جماهير المسلمين، ولم تحل بين عينيه وبين رؤية مظاهر هذا الظلم.
وإذا كان عداء الأمويين السافر كان موجها ضد الخوارج والشيعة ومن حمل السلاح في وجوههم، ولم يمنع ذلك الحجاج من امتحان الحسن وسؤاله عن رأيه في علي وعثمان، فقد كان من الطبيعي أن يلجأ الحسن إلى التقيّة حين يحدث عن علي بن أبي طالب، رغم أنه لم يكن شيعيا. فقد صار حب علي تهمة يعاقب عليها «وكان الحسن إذا أراد أن يحدث في زمن بني أمية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال أبو زينب» .
لم يكن من الطبيعي أن يظلّ أمثال الحسن على سلبيتهم إزاء مظاهر الظلم المتعددة أمام أعينهم. وإذا كان متأخرو الصحابة قد استشعروا كثيرا من سوء الظن بقول معبد الجهني بالقدر، فإن تعلل الأمويين وعبد الملك بن مروان بالذات بالجبر تبريرا لأفعالهم وجرائمهم كان كفيلا برفع الغشاوة عن أعين هؤلاء المؤمنين الأتقياء من أمثال الحسن. ولم يتردد الحسن في تبني القول بالقدر على مذهب معاصره معبد الجهني. وليس من المستبعد أن يكون الحسن قد عدل قليلا من قول معاصره الذي ذهب إلى أن القدر خيره وشره من العبد كما تحكي عنه كتب المقالات. ولقد كان تعديل هذا القول ضرورة لا غنى عنها حتى لا يؤدي ذلك إلى نفي قدرة الله أو الانتقاص منها.
ولمّا كان بنو أمية يرفعون القول بالجبر لتبرير معاصيهم، فإن اسناد المعاصي إلى قدرة العبد كاف في الرد عليهم دون أن يؤدي ذلك إلى الانتقاص من قدرة الله. لذلك كله عدّل الحسن من قول معبد وغيلان والجعد، وقال «كل شيء بقضاء وقدر إلّا المعاصي» وهذه الصياغة لمبدأ القدر تنفي عن الله فعل الشر وتثبت قدرة العبد عليه. ومن شأن هذه الصياغة للمبدإ أن تجعله مقبولا لدى أتقياء
المسلمين، لأنها رفعت عنه الحرج السابق الذي يؤدي إلى ايهام انه يتناقض مع الايمان الحق. كما أنها من جانب آخر تثبت مبدأ الثواب والعقاب الذي يعدّ ركنا أساسيا في العقيدة الدينية، ذلك المبدأ الذي يخلّ به القول بالجبر وينفي مسئولية الانسان عن فعله.