وإذا كانت المصادر الاعتزالية والشيعية ترد القول بالقدر إلى علي بن أبي طالب، وتربطه على لسانه بالوعد والوعيد، على أساس أن نفي قدرة الانسان واختياره تؤدي إلى إبطال الثواب والعقاب، وسقوط الوعد والوعيد، فإن ذلك يعدّ في نظر الباحث محاولة لتأصيل هذا الفكر ورده إلى الإمام الأول عند الشيعة، أو إلى صحابي جليل القدر عند المعتزلة. وقد يكون علي بن أبي طالب قد واجه هذا السؤال في عصره، وقد يكون قد أجاب عليه مثبتا مسئولية الانسان عن
فعله، لكن هذا الربط بين القول بالقدر والوعد والوعيد والثواب والعقاب هو بلا شك من اجتهاد المعتزلة والشيعة والزيدية. وواضح من هذه الرواية أن المعتزلة والشيعة معا يحاولون أن يلصقوا بخصومهم على لسان علي ما اتهموهم به من تهمة القدرية، ومن ثمّ يجعلون عليا يقول عن منكري القدر «تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن وشهداء زور، وقدرية هذه الأمة ومجوسها»
وأقرب الشخصيات التي يمكن اعتبارها أساس نشأة الاعتزال هو الحسن البصري (ت 110هـ) أستاذ كل من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مؤسسي المذهب الاعتزالي باتفاق المصادر القديمة. وينتمي الحسن البصري من حيث أصوله الاجتماعية إلى قطاع الموالي، فهو من «أهل ميسان» مولى لبعض الأنصار، «وكان اسم أمه خيره، مملوكة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله» . ومن الطبيعي أن يكون الحسن بكل تقواه وورعه ناقما على بني أمية مظالمهم.
ولقد بلغت سطوة الأمويين على العراق أشدها في عصر عبد الملك بن موران حين ولّي الحجاج بن يوسف عليها بعد أن قضى على ثورة ابن الزبير وهدم الكعبة. ولا شك أن مشاعر المسلمين قد استاءت إزاء هذا الاعتداء على الكعبة ومهبط الوحي، غير أنهم كانوا يتّقون سطوة الحجاج. ولم يكن الحجاج يعرف أقدار الأتقياء، فقد أراد أن يقتل الحسن لقول قاله في غيبته، وما أكثر أقوال الحسن في الحجاج، «وأمر بالنطع والسيف فأحضرا، ووجه إليه، فلمّا دنا الحسن من الباب، حرّك شفتيه والحاجب ينظر إليه، فلمّا دخل قال له الحجاج: هاهنا، وأجلسه قريبا من فرشه، وقال له: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: أقول قول من هو خير مني عند من هو شر منك قال موسى عليه السلام لفرعون إذ قال له: {فَمََا بََالُ الْقُرُونِ الْأُولى ََ. قََالَ عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتََابٍ لََا يَضِلُّ رَبِّي وَلََا يَنْسى ََ:} (طه: 5251) :
علم علي وعثمان عند الله تعالى».
ولقد كان من شأن هذه القسوة في معاملة الحسن وأمثاله على قدرهم وورعهم أن تجعلهم أقرب إلى المهادنة والتقية، على الأقل في مواجهة الحجاج وأمثاله. وإن كانوا حين يخلون إلى تلاميذهم يعلنون رأيهم بصراحة. وقد روي أن الحسن تلا يوما: {إِنََّا عَرَضْنَا الْأَمََانَةَ عَلَى السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبََالِ}
(الاحزاب: 72) ، ثم قال: «إن قوما غدوا في المطارف العتاق، والعمائم الرقاق، يطلبون الامارات ويضيعون الأمانات، يتعرضون للبلاء وهم منه في عافية، حتى إذا أخافوا من فوقهم من أهل العفّة، وظلموا من تحتهم من أهل الذمّة أهزلوا دينهم
وأسمنوا براذينهم، ووسعوا دينهم، وضيقوا قبورهم».