(4) يعدّ عصر عبد الملك بن مروان (8665هـ) عصر العواصف التي ملأت كل مدة خلافته تقريبا فهو الذي قتل عمرو بن سعيد كما سبقت الاشارة وألقى بجثته إلى اتباعه زاعما أنه قتله بقضاء الله السابق. وهو الذي قتل معبدا الجهني (80هـ) أول من قال بالقدر. وهو الذي فرض ضرائب جديدة على
الموالي أثقلت كواهلهم حتى خرج عليه الحارث بن سريج. وهو الذي ولّى الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قال عنه الحسن البصري «ما زال النفاق مقموعا حتى عمم هذا عمامة وقلّد سيفا» هذا كله إلى جانب العصبيات القبلية التي أسهب المؤرخون في وصفها. وإذا كان يعدّ بحق «المؤسس الثاني للدولة الأموية» ، فإنه من جانب آخر يعدّ مؤصل العداوة الأصيلة ضد الدولة الأموية. ويحسّ الباحث أن هذا العصر قد شهد تحولا في مشاعر أولئك المسلمين الأتقياء الذين تعايشوا بحكم الأمر الواقع مع خلفاء بني أمية.
وإذا كان القول بالقدر وبمسئولية الانسان وحريته في الاختيار، لم يجد صدى في قلوب أولئك الأتقياء الذين يميلون في الغالب إلى التسليم بقدرة الله القاهرة، فإن تستّر الأمويين وراء القول بالجبر كان كفيلا مع ازدياد جرائمهم برفع الغشاوة عن هذه العيون المؤمنة لتدرك المغزى السياسي لهذه الدعوى. ولا شك أن المؤمن العميق الايمان، وحتى الزاهد الورع، يؤمن ايمانا عميقا بالثواب والعقاب، وأنهما يكونان حسب العمل، فالثواب هو جزاء العمل الخيّر، والعقاب جزاء العمل الشرير ويستطيع المؤمن الورع أن يجمع دون أدنى تعارض بين ايمانه هذا، وبين الايمان بقدرة الله القاهرة وإرادته الشاملة التي لا يمكن لإرادة الانسان أن تتصدى لها أو تخالفها. ولذلك من السهل أن نفسّر كراهية الصحابة المتأخرين للقول بالقدر ونفورهم من قائله على أساس أنهم دون ادراك لمغزاه السياسي اعتبروه دعوة مناقضة للايمان الكامل. ومن ناحية أخرى فإن القول بالقدر كما سبقت الاشارة كان يحمل في طيّاته رائحة الفكر المسيحي الذي كان شائعا في دمشق، وهذا من شأنه أن يؤدّي إلى نفور المسلم الورع. ولكن هذا النفور ولم يدم طويلا، إذ سرعان ما كشفت سياسة الخلفاء الأمويين عن طابعها اللاديني، وبذلك فقدت صمت هؤلاء المتدينين الورعين واستسلامهم للأمر الواقع، كما فقدت أيضا توقف المرجئة وتبريريتهم حتى تحول بعضهم إلى مشاكرين في الخروج على خلفائها كما رأينا في حالة جهم بن صفوان.
وإذا كانت المصادر الاعتزالية والشيعية ترد القول بالقدر إلى علي بن أبي طالب، وتربطه على لسانه بالوعد والوعيد، على أساس أن نفي قدرة الانسان واختياره تؤدي إلى إبطال الثواب والعقاب، وسقوط الوعد والوعيد، فإن ذلك يعدّ في نظر الباحث محاولة لتأصيل هذا الفكر ورده إلى الإمام الأول عند الشيعة، أو إلى صحابي جليل القدر عند المعتزلة. وقد يكون علي بن أبي طالب قد واجه هذا السؤال في عصره، وقد يكون قد أجاب عليه مثبتا مسئولية الانسان عن
فعله، لكن هذا الربط بين القول بالقدر والوعد والوعيد والثواب والعقاب هو بلا شك من اجتهاد المعتزلة والشيعة والزيدية. وواضح من هذه الرواية أن المعتزلة والشيعة معا يحاولون أن يلصقوا بخصومهم على لسان علي ما اتهموهم به من تهمة القدرية، ومن ثمّ يجعلون عليا يقول عن منكري القدر «تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن وشهداء زور، وقدرية هذه الأمة ومجوسها»