فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 269

وإذا كان الشيعة قد انقسموا إلى ثلاث فرق رئيسية تندرج تحت كل منها فروع كثيرة، فإن الفرق الثلاث وهي الغالية والإمامية والزيدية تتفق في امامة علي وأحقيته للخلافة. ويعتبر عبد الله بن سبأ مؤسس «الغالية» لأنه غالى في علي حتى جعله إلها، أما مؤسس الامامية فهو المختار بن عبيد «الذي خرج وطالب بدم الحسين بن علي ودعا إلى محمد بن الحنفية» عام 66هـ في عهد عبد الملك بن مروان. وكان محمد بن الحنفية بعد مقتل أخيه الحسين «قد اختار العزلة، فآثر الخمول على الشهرة» ودون أن نتعرض لتفاصيل أفكار المختار أو «الكيسانية»

كما يسميها كتّاب الفرق، فإن فكرة الإمامة هي الفكرة الأساسية التي قامت عليها دعوة المختار. وواضح أن دعوة المختار كانت أول انشقاق في صفوف الشيعة وذلك عن طريق الدعوة لمحمد بن الحنفية، وكانت الإمامة قبل ذلك مقصورة على أولاد علي من فاطمة وهما الحسن والحسين وأعقابهما. وعلى يد المختار نمت فكرة عصمة الإمام وانفراده بعلم تأويل الشريعة، واختفائه ورجعته. والفارق بين السبئية والكيسانية يكمن في أن السبئية يعتبرون إمامهم شخصا مقدسا بطبيعته، أما الكيسانية فيعتبرونه رجلا رفيع المقام محيطا بعلوم ما وراء الطبيعة. وبصرف النظر عما تحكيه كتب المقالات من استنكار ابن الحنفية لمثل هذه الافكار، فإن الذي يهمنا هو بيان تطور فكرة الامامة لتلائم طبيعة الظروف المتغيرة في الدولة الاسلامية.

والذي لا شك فيه أن المختار نجح في اثارة القلق في أرجاء الدولة الأموية. ولو استطاع مع ابن الزبير أن يكوّنا جبهة واحدة مع الخوارج، لكان للتاريخ قول آخر، ولكن اختلاف مصالح القوى كان كفيلا بأن يفرّق بينها.

أمّا الفرقة الثالثة من فرق الشيعة فهي الزيدية وهم ينتسبون إلى زيد بن علي زين العابدين «وكان زيد بن علي بويع له بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك وكان أمير الكوفة يوسف بن عمر الثقفي، وكان زيد بن علي يفضّل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، فلمّا ظهر في الكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر، فأنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرّق عنه الذين بايعوه» وسنتعرض بعد قليل لفكر الشيعة الزيدية ومدى اتفاقه مع فكر المعتزلة في كثير من المبادئ والتفاصيل باستثناء فكرة النص على إمامة علي. والذي يهمنا الآن أن نلمح الطابع الواقعي لفكر الشيعة الزيدية، وهو طابع تخفف كثيرا من غلواء السبئية والكيسانية، وكذلك من غلواء الخوارج في تكفير عثمان وعلي بعد أن قبل التحكيم. وفي خلاف زيد بن علي مع أصحابه في تكفير أبي بكر وعمر ما يؤكّد لنا مرة ثانية أن الخلاف حول الحكم على الائمة والخلفاء ظلّ خلافا أساسيا يفرّق بين الاتجاهات المختلفة حتى داخل حزب واحد كالشيعة.

(4) يعدّ عصر عبد الملك بن مروان (8665هـ) عصر العواصف التي ملأت كل مدة خلافته تقريبا فهو الذي قتل عمرو بن سعيد كما سبقت الاشارة وألقى بجثته إلى اتباعه زاعما أنه قتله بقضاء الله السابق. وهو الذي قتل معبدا الجهني (80هـ) أول من قال بالقدر. وهو الذي فرض ضرائب جديدة على

الموالي أثقلت كواهلهم حتى خرج عليه الحارث بن سريج. وهو الذي ولّى الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قال عنه الحسن البصري «ما زال النفاق مقموعا حتى عمم هذا عمامة وقلّد سيفا» هذا كله إلى جانب العصبيات القبلية التي أسهب المؤرخون في وصفها. وإذا كان يعدّ بحق «المؤسس الثاني للدولة الأموية» ، فإنه من جانب آخر يعدّ مؤصل العداوة الأصيلة ضد الدولة الأموية. ويحسّ الباحث أن هذا العصر قد شهد تحولا في مشاعر أولئك المسلمين الأتقياء الذين تعايشوا بحكم الأمر الواقع مع خلفاء بني أمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت