فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 269

بعد انتهاء الصراع لصالح الحزب الأموي، واستسلام الحسن بن علي له فيما سمي بعام الجماعة على شرط أن يجعل الأمر بعده شورى للمسلمين، سكن الشيعة لبعض الوقت حتى بدأ معاوية يأخذ البيعة لابنه يزيد. ومع خلافة يزيد كان واضحا أن الدولة الدينية تتحوّل إلى ملك كسروي وراثي. وإذا أضفنا إلى ذلك

السيرة الخاصة ليزيد، والتي لم تكن مقبولة من أي مسلم تقي، أدركنا أن خروج الشيعة كان ضرورة حتمية للدفاع عن مصالحهم من جهة، ولإقامة حكم الاسلام من جهة أخرى. وبعد فشل ثورة الحسين وارتكاب الأمويين لمذبحة كربلاء، ثار عبد الله بن الزبير باعتباره ممثلا للقوى التي سبق أن ناهضت علي بن أبي طالب في موقعة الجمل. ومع ثورة عبد الله بن الزبير حاول أن يستعين بالخوارج، ولكنهم حاولوا امتحانه عن طريق سؤاله عن رأيه في عثمان، وحين وجدوه مخالفا لهم حيث قال: «أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان وعدو لأعدائه» لم يساعدوه، وكان ذلك في عصر عبد الملك بن مروان. وعلى الجانب الثاني حاول عبد الله بن الزبير أن يستعين بمحمد بن الحنفية على حرب الأمويين، ولكنه رفض. ولعل في هذه الواقعة دلالة على بداية الإحساس بضرورة التجمّع والتوحّد في وجه العدو المشترك. ومن ناحية أخرى يؤكّد ذلك أن الخلاف حول الحكم على المتحاربين في الفتنة ظلّ هو جذر الخلاف بين الفرق المختلفة، وهو خلاف لسنا بحاجة إلى تأكيد نشأته على يد الخوارج بعد التحكيم.

الذي نريد التأكيد عليه هنا هو أن الشيعة رفعوا فكرة الدولة الدينية والإمام المقدّس في مواجهة الدولة الدنيوية التي أسسها الأمويون، وكان للضربات المتلاحقة التي وجهها الأمويون ضدهم، تلك الضربات التي بلغت قمتها المأساوية في التمثيل بسبط الرسول بكربلاء، أثرها في تأكيد فكرة المهدي المنتظر الذي ألحّ الشيعة على قداسته «وهكذا غلب الجانب الديني في التشيع على الجانب السياسي وتقدّم عليه، ووجد الشيعة في أقدم دولة ناوءوها وهي دولة الأمويين، الفرصة الأولى في أن يتجهوا في حركتهم اتجاها دينيا، وكان مسلك الأمويين دائما إذا تركنا جانبا مسألة الحق الشرعي في الخلافة عنوانا للمخازي والفضائح في نظر الأتقياء، لأنهم كانوا يضعون نصب أعينهم المصلحة الدنيوية للحكومة الاسلامية ويجعلونها في المحل الأول، بينما رأى الأتقياء تغليب المصلحة الدينية»

وإذا كان الشيعة قد انقسموا إلى ثلاث فرق رئيسية تندرج تحت كل منها فروع كثيرة، فإن الفرق الثلاث وهي الغالية والإمامية والزيدية تتفق في امامة علي وأحقيته للخلافة. ويعتبر عبد الله بن سبأ مؤسس «الغالية» لأنه غالى في علي حتى جعله إلها، أما مؤسس الامامية فهو المختار بن عبيد «الذي خرج وطالب بدم الحسين بن علي ودعا إلى محمد بن الحنفية» عام 66هـ في عهد عبد الملك بن مروان. وكان محمد بن الحنفية بعد مقتل أخيه الحسين «قد اختار العزلة، فآثر الخمول على الشهرة» ودون أن نتعرض لتفاصيل أفكار المختار أو «الكيسانية»

كما يسميها كتّاب الفرق، فإن فكرة الإمامة هي الفكرة الأساسية التي قامت عليها دعوة المختار. وواضح أن دعوة المختار كانت أول انشقاق في صفوف الشيعة وذلك عن طريق الدعوة لمحمد بن الحنفية، وكانت الإمامة قبل ذلك مقصورة على أولاد علي من فاطمة وهما الحسن والحسين وأعقابهما. وعلى يد المختار نمت فكرة عصمة الإمام وانفراده بعلم تأويل الشريعة، واختفائه ورجعته. والفارق بين السبئية والكيسانية يكمن في أن السبئية يعتبرون إمامهم شخصا مقدسا بطبيعته، أما الكيسانية فيعتبرونه رجلا رفيع المقام محيطا بعلوم ما وراء الطبيعة. وبصرف النظر عما تحكيه كتب المقالات من استنكار ابن الحنفية لمثل هذه الافكار، فإن الذي يهمنا هو بيان تطور فكرة الامامة لتلائم طبيعة الظروف المتغيرة في الدولة الاسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت