ولا شك أن هذه الأفكار على ما فيها من بعد عن الاسلام، كانت محاولة لرفع الروح المعنوية للشيعة، ودفعهم للتماسك والاستمرار ما دام إمامهم ما يزال حيا، وما دام باب الأمل مفتوحا وأنه سيعود يوما ما ليقودهم إلى النصر النهائي ضد الظلمة الجبارين. ولا ينبغي في نفس الوقت أن يغيب عن الأذهان أن هذا التفسير لنشأة الفكر الحلولي التجسيدي لا ينفي وجود المؤثّرات اليهودية والمسيحية، وخصوصا تلك المؤثّرات غير المباشرة، فالعقائد المسيحية واليهودية
موجودة في الجزيرة العربية، وفي المدينة خصوصا، منذ فترة باكرة وقبل البعثة النبوية «فعند اليهود والنصارى أن النبي ايليا قد رفع إلى السماء، وأنه لا بدّ أن يعود إلى الأرض في آخر الزمان لإقامة دعائم الحق والعدل، ولا شك أن ايليا هو الانموذج الأول لأئمة الشيعة المختفين الغائبين، الذين يحيون لا يراهم أحد، والذين سيعودون يوما كمهديين منقذين للعالم»
وإذا كنا لا ننكر التأثير غير المباشر للفكر اليهودي أو المسيحي، ونربطه بواقع المجتمع الاسلامي، فاننا لا نتقبل ببساطة تلك الفكرة الساذجة التي ترى في هذه الأفكار محاولة مقصودة لهدم الاسلام من الداخل عن طريق اعتناقه وتخريبه بعقائد أجنبية «فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة ولم تمتد إلى العناصر الاسلامية غير السامية إلّا خلال ثورة المختار، بل إن قواعد نظرية الإمامة، والفكرة الثيوقراطية المناهضة لنظرية الحكم الدنيوية، وكذا الفكرة المهدية التي أدّت إليها نظرية الإمامة والتي تجلّت معالمها في الاعتقاد بالرجعة ينبغي ان نرجعها كلها، كما رأينا، إلى المؤثرات اليهودية والمسيحية. كما أن الإغراق في تأليه علي، الذي صاغه في مبدأ الأمر عبد الله بن سبأ، حدث في بيئة سامية عذراء لم تكن قد تسربت إليها بعد الأفكار الآرية، وانضم لهذه الحركة في بدء قيامها جموع غفيرة من العرب، حتى أن أول الواضعين لجزء من مبادئ التجسيم والحلول قوم لا شك أنهم من الجنس العربي الصميم»
ويؤكّد ابن خلدون فكرة التأثير غير المباشر حين يقول «وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم. ولا يعرفون من ذلك. (يعني من بدء الخليقة وأسرار الوجود) إلّا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب» . ولا شك أن النزعة التجسيدية والتشبيهية كانت كامنة في نفوس بعض العرب الذين كانوا ما يزالون قريبي عهد بالجاهلية، وكان الانتماء لعلي بن أبي طالب باعتباره ابن عم رسول الله وزوج ابنته وأقربهم إليه يعبّر عن عاطفة دينية عميقة خصوصا في ظروف تعرّض فيها المجتمع الاسلامي لمحنة التمزق الداخلي. ولم يكن معاوية بكل تاريخ أسرته في محاربة الاسلام بالذي يستطيع أن يجمع حوله قلوب المسلمين وإن استطاع أن يشتري سيوفهم.
بعد انتهاء الصراع لصالح الحزب الأموي، واستسلام الحسن بن علي له فيما سمي بعام الجماعة على شرط أن يجعل الأمر بعده شورى للمسلمين، سكن الشيعة لبعض الوقت حتى بدأ معاوية يأخذ البيعة لابنه يزيد. ومع خلافة يزيد كان واضحا أن الدولة الدينية تتحوّل إلى ملك كسروي وراثي. وإذا أضفنا إلى ذلك
السيرة الخاصة ليزيد، والتي لم تكن مقبولة من أي مسلم تقي، أدركنا أن خروج الشيعة كان ضرورة حتمية للدفاع عن مصالحهم من جهة، ولإقامة حكم الاسلام من جهة أخرى. وبعد فشل ثورة الحسين وارتكاب الأمويين لمذبحة كربلاء، ثار عبد الله بن الزبير باعتباره ممثلا للقوى التي سبق أن ناهضت علي بن أبي طالب في موقعة الجمل. ومع ثورة عبد الله بن الزبير حاول أن يستعين بالخوارج، ولكنهم حاولوا امتحانه عن طريق سؤاله عن رأيه في عثمان، وحين وجدوه مخالفا لهم حيث قال: «أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان وعدو لأعدائه» لم يساعدوه، وكان ذلك في عصر عبد الملك بن مروان. وعلى الجانب الثاني حاول عبد الله بن الزبير أن يستعين بمحمد بن الحنفية على حرب الأمويين، ولكنه رفض. ولعل في هذه الواقعة دلالة على بداية الإحساس بضرورة التجمّع والتوحّد في وجه العدو المشترك. ومن ناحية أخرى يؤكّد ذلك أن الخلاف حول الحكم على المتحاربين في الفتنة ظلّ هو جذر الخلاف بين الفرق المختلفة، وهو خلاف لسنا بحاجة إلى تأكيد نشأته على يد الخوارج بعد التحكيم.