فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 269

كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصا مصلوبا شبهوه بعيسى، وكذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليا فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه، وزعم بعض السبئية أن عليا في السحاب وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد

قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين. وقد روي عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: ان عليا قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرّة لم نصدّق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء، ويملك الأرض بحذافيرها».

وإذا حاولنا أن نعيد ترتيب هذه الوقائع في نسق تاريخي، فمن السهل أن نقدّر أن فكر عبد الله بن سبأ قد مرّ بثلاث مراحل. المرحلة الأولى هي فكره إبّان الثورة على عثمان والدعوة لعلي حيث قال بوصاية علي للرسول صلى الله عليه وسلم مثلما كان يوشع ابن نون وصيا لموسى عليه السلام، وليس ببعيد أن يكون عبد الله بن سبأ قد ذهب في هذه المرحلة إلى رجعة النبي قياسا على ايمان المؤمنين برجعة عيسى عليه السلام مستدلّا بالآية التي أوردناها. أمّا المرحلة الثانية فهي مرحلة الصراع الذي خاضه علي ضد طلحة والزبير أولا، ثم معاوية ثانيا، والخوارج ثالثا. في هذه المرحلة لا يستبعد أن يكون عبد الله بن سبأ قد رفع عليا إلى مرتبة النبوة وذلك لتأكيد حقه في الخلافة خصوصا بعد مهزلة التحكيم المشهورة. وتأتي المرحلة الثالثة بعد قتل علي على يد عبد الرحمن بن ملجم، فذهب ابن سبأ إلى وجود جزء إلهي في علي رضي الله عنه، وأنه لم يمت، وأنه سيعود ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، وسيملك الأرض وينتقم من أعدائه. وهذا الترتيب يستبعد أن يكون عبد الله ابن سبأ قد ادّعى كل هذه الشناعات في حياة علي، إذ ليس من المعقول أن يكتفي علي بنفيه إلى المدائن على حين حرق قوما من أتباعه. وما يورده البغدادي في هذا الصدد لا يكاد يتفق مع شخصية علي التي لا تعرف هوادة فيما يتصل بالدين. يقول «فنهاه ابن عباس عن ذلك (يعني عن قتل ابن سبأ) وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العود إلى قتال أهل الشام، وتحتاج إلى مداراة أصحابك» ولا أظنّ أن سوء الحال كان قد بلغ بعلي رضي الله عنه مبلغا يجعله يتجاوز عن مثل هذا التخريب العقائدي في الدين. ولو كان علي يداري أصحابه لتاب من قبوله التحكيم لكي يرضي الخوارج وهم القوة التي لم يكن يستهان بها قوة وعددا وشجاعة والذين أدّى انشقاقهم عليه إلى التعجيل بانتصار معاوية.

ولا شك أن هذه الأفكار على ما فيها من بعد عن الاسلام، كانت محاولة لرفع الروح المعنوية للشيعة، ودفعهم للتماسك والاستمرار ما دام إمامهم ما يزال حيا، وما دام باب الأمل مفتوحا وأنه سيعود يوما ما ليقودهم إلى النصر النهائي ضد الظلمة الجبارين. ولا ينبغي في نفس الوقت أن يغيب عن الأذهان أن هذا التفسير لنشأة الفكر الحلولي التجسيدي لا ينفي وجود المؤثّرات اليهودية والمسيحية، وخصوصا تلك المؤثّرات غير المباشرة، فالعقائد المسيحية واليهودية

موجودة في الجزيرة العربية، وفي المدينة خصوصا، منذ فترة باكرة وقبل البعثة النبوية «فعند اليهود والنصارى أن النبي ايليا قد رفع إلى السماء، وأنه لا بدّ أن يعود إلى الأرض في آخر الزمان لإقامة دعائم الحق والعدل، ولا شك أن ايليا هو الانموذج الأول لأئمة الشيعة المختفين الغائبين، الذين يحيون لا يراهم أحد، والذين سيعودون يوما كمهديين منقذين للعالم»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت