فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 269

القول بالجبر إذن عند جهم هو محاولة لتأكيد التوحيد وتثبيته، وعلينا أن نلاحظ إن صحّت رواية الأشعري السابقة أنه جبر لا ينفي فعالية الانسان نفيا كاملا كجبر الامويين، فللانسان قوة وإرادة، ولكنهما مخلوقتان لله، بمعنى أنهما خاضعتان للمشيئة الالهية التي لا يندّ شيء في العالم عن قدرتها. والدليل على ذلك ما يرويه الأشعري أيضا من أن جهما كان «ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وهو اتجاه يقرّبه من الخوارج الذين كان هذا المبدأ من أهم مبادئهم بعد

رأيهم في الإمامة ومحاربة الإمام الجائر.

إذا كان المرجئة قد تطوّرت أفكارهم ومبادئهم مع ازدياد الضغط الأموي ضد الثوار والموالي حتى أنهم التقوا مع الخوارج في بعض أفكارهم الثورية، خصوصا رأيهم في الإمامة الذي عبّر عنه غيلان الدمشقي والذي أشرنا له سالفا، فإنهم من جانب آخر قد اقتربوا من الشيعة في قولهم بالمهدي المنتظر، فيروى عن الحارث بن سريج، الذي حارب جهم بن صفوان في صفة وكان متحدّثا باسمه في المفاوضات بينه وبين سلم بن أحوز أنه كان «يزعم أنه المهدي الذي أرسله الله لتخليص المضطهدين والأخذ بناصر المظلومين حتى انضم إليه في ثورته هذه أنصار من العرب، وسرعان ما استولى على المدن الواقعة على ضفاف نهر سيجون» غير أن أفكار الشيعة تحتاج لوقفة هادئة.

(3) أشرنا إلى دور عبد الله بن سبأ في الثورة على عثمان وفي الدعوة لعلي في الكوفة والبصرة ومصر. ويبدو أن عداء عبد الله بن سبأ لمسلك معاوية في الشام كان وراء ثورته على عثمان، فقد كان يقول لأبي ذر الغفاري «يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول المال مال الله؟ ألا أن كل شيء لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين» . وقد ذهب عبد الله بن سبأ متأثرا في ذلك بمعتقداته اليهودية إلى القول بوصاية علي في أول الأمر، وبرجعة الرسول صلى الله عليه وسلم وقال في ذلك «إني لأعجب ممن يقول برجعة عيسى ولا يقول برجعة محمد» وقد قال الله عزّ وجلّ {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرََادُّكَ إِلى ََ مَعََادٍ} (سورة القصص 28:

وتطوّرت أفكار ابن سبأ مع تطور الفتنة، ففي البداية «زعم أنه كان نبيا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قوما من غواة الكوفة وخاف (علي) إختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن، فلمّا قتل علي رضي الله عنه زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليا، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي وأن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم عليه السلام، وقال:

كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصا مصلوبا شبهوه بعيسى، وكذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليا فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه، وزعم بعض السبئية أن عليا في السحاب وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد

قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين. وقد روي عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: ان عليا قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرّة لم نصدّق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء، ويملك الأرض بحذافيرها».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت