وليس من الطبيعي أن يتحوّل جهم بن صفوان من التبرير إلى الثورة دون أن تتطور أفكاره. ومع ذلك فالمصادر التي بين أيدينا تكتفي بذكر المقالات كاملة دون بيان لتطورها عند نفس المفكر أو عند اتباعه الأمر الذي يجعلنا نظلّ في مجال التخمينات والافتراضات. ويفترض محمد عمارة أن جهم بن صفوان نقم على الأمويين «موقفهم الذي يرفض الاعتراف باسلام الموالي من أهل فارس وخراسان، بحجة أن اسلامهم غير خالص لله» ويضيف «فالجهمية كالأمويين كانوا جبرية
مرجئة وإن كان الخلاف بينهما قد كان في حقل الإرجاء، وعلى من يستفيد من هذا الإرجاء الحكام الأمويون؟ أم الجماهير التي أسلمت من موالي فارس وخراسان؟» وإذا كان هذا الافتراض على وجاهته قد فسّر إرجاء جهم، فإنه لم يفسّر جبريته، ومن ثمّ يحتاج ذلك إلى افتراض آخر ذي شقين: الشق الأول يكمن في الروح العدائية التي قوبل بها القول بالقدر عند معبد الجهني والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي من جانب الخلفاء الأمويين وأتقياء المسلمين معا، أمّا الشق الثاني فيكمن في ذلك التعارض القائم بين القول بالقدر والتوحيد المطلق. وإذا استعرضنا أقوال جهم في الجبر والتوحيد فسنلحظ على الفور أنه أوقع نفسه في التناقض الذي لا يمكن حلّه إلّا عن طريق القول بالجبر. والتوحيد عند جهم هو نفي مشابهة الله للأشياء «لا أقول أن الله سبحانه شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء» «وامتنع عن وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء، وموجود، وحي، وعالم، ومريد، ونحو ذلك. ووصفه بأنه قادر، وموجد، وفاعل، وخالق، ومحيي، ومميت.
لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالت القدرية، ولم يسم الله متكلما به» وهذا الفصل الكامل بين صفات الله وصفات غيره بحيث لا يقع بينهما وصف مشترك يطلق على كليهما، هو الذي أدّى بجهم لكي يكون مخلصا لمبادئه إلى القول بالجبر. فكل الصفات التي أحسّ جهم أنها تطلق على الانسان أو الاشياء نفى أن تطلق على الله. وفي مقابل ذلك فقد وصف جهم الله بصفات نفى أن تطلق على الانسان ومنها الوصف بأنه قادر. ونفي القدرة عن الانسان، وجعلها من صفات الله أدّت بجهم إلى أن يقول «أنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلّا الله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس انما تنسب اليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله سبحانه إلّا أنه خلق للانسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختيارا له منفردا بذلك، كما خلق له طولا كان به طويلا، ولونا كان به متلونا» .
القول بالجبر إذن عند جهم هو محاولة لتأكيد التوحيد وتثبيته، وعلينا أن نلاحظ إن صحّت رواية الأشعري السابقة أنه جبر لا ينفي فعالية الانسان نفيا كاملا كجبر الامويين، فللانسان قوة وإرادة، ولكنهما مخلوقتان لله، بمعنى أنهما خاضعتان للمشيئة الالهية التي لا يندّ شيء في العالم عن قدرتها. والدليل على ذلك ما يرويه الأشعري أيضا من أن جهما كان «ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وهو اتجاه يقرّبه من الخوارج الذين كان هذا المبدأ من أهم مبادئهم بعد
رأيهم في الإمامة ومحاربة الإمام الجائر.