ومن المؤسف أن أقوال هؤلاء المفكرين الاوائل في حرية الإرادة والتوحيد لم تصلنا مفصلة باستثناء إنكار الجعد بن درهم أن يكون الله متكلّما وقوله بخلق القرآن، وهما القولان اللذان تجعلهما المصادر سببا لذبحه. أمّا غيلان الدمشقي فقد ذهب إلى جانب قوله «بالقدر خيره وشره من العبد في الإمامة أنها تصلح في غير قريش وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، وأنها لا تثبت إلّا بإجماع الأمّة» وهو قول يضعه في معسكر الخوارج ويخرجه من معسكر المرجئة الذي يضعه فيه مؤرخو المقالات كالأشعري والبغدادي والشهرستاني. ولكن علينا أن نلاحظ أن الإرجاء لم يثبت على أفكاره السلبية التبريرية في أوائل العصر الأموي، وإنما تحوّل بحكم عوامل كثيرة، من أهمها العنف الذي واجه به الأمويون كل مخالف في الرأي، ثم سوء معاملة الموالي، وجلّ مفكري المرجئة المتأخرين من الموالي. كل ذلك جعل أفكار المرجئة تتطور من السلبية إلى الايجابية، بل جعل المرجئة أنفسهم يشاركون في الثورة على بني أمية. ويقابلنا أول تقسيم لفرق المرجئة عند البغدادي حيث يقول «والمرجئة ثلاثة أصناف. صنف منهم قال بالإرجاء في الايمان وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة، كغيلان وأبي شمر، ومحمد بن شبيب البصري وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الايمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، فهم إذا من جملة الجهمية، والصنف الثالث منهم خارجون عن الجبرية والقدرية» أما الشهرستاني فإنه يضيف فرقة رابعة يطلق
عليها «مرجئة الخوارج» ولعل في ذلك ما يؤكّد ما يذهب إليه بعض الباحثين من أن المرجئة حاولوا «تثوير» عقائدهم» «إذ تأثّرت بآراء الخوارج والشيعة في الثورة على الظلم، كما تبنّت بعض مبادئ القدرية في الحرية الانسانية» .
ولقد يبدو في الجمع بين آراء القدرية أو الشيعة أو الخوارج وبين القول بالإرجاء نوع من التناقض. فالإرجاء أو التوقف عن الحكم على الحاكم الجائر أو مرتكب الكبيرة يعني السلبية إزاء معطيات الواقع اليومية، كما أنه يتناقض مع الخروج وحمل السيف وهو ما فعله جهم بن صفوان (ت 128هـ) حيث كان في صفوف الحارث بن سريج الذي خرج على هشام بن عبد الملك لأنه «فاجأ
الموالي بضريبة خراجية لا قبل لهم باحتمالها». ويبدو التناقض أشد مع جهم ابن صفوان بالذات لأنه جبري إلى جانب أنه مرجئ. ولكن هذا التناقض تخف حدته إذا نظرنا لثورة جهم وفكره في ظل السياسة المالية والضرائبية إزاء الموالي في العصر الأموي. وإذا استثنينا عصر عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الأمويين، وجدنا سياستهم تتسم بالاستغلال. فقد ألغى الحجاج والي عبد الملك بن مروان رفع الجزية عمّن يدخل الاسلام من أهل الذمّة، ووضع بذلك مبدأ خطيرا يتناقض مع نصوص الاسلام الصريحة وذلك تلافيا للنقص في بيت المال. وكان من شأن هذا القرار أن يثير ثائرة الموالي المسلمين، الذين رفع عنهم الاسلام هذا القيد المادي.
فإذا أضفنا إلى ذلك سوء معاملة الموالي بشكل عام، واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية «لم يصلوا إلى التمتع بالحقوق المدنية للمواطنين ولا بالحقوق الحربية ومزاياها المادية، فاعتبروا موالي للقبائل العربية، ولم تتسع لهم الدولة الثيوقراطية إلّا على هذه الصورة، أعني صورة التبعية للقبائل العربية» إذا وضعنا في اعتبارنا كل ذلك، نجد من الطبيعي أن يشترك جهم بن صفوان في ثورة الحارث بن سريج وهي ثورة كانت موجهة أصلا ضد هشام بن عبد الملك الذي فرض على الموالي ضرائب جديدة لا قبل لهم باحتمالها. وكان عمر بن عبد العزيز قبل ذلك قد رفع عنهم الجزية وعاملهم معاملة المسلمين العرب بكل حقوقهم وواجباتهم.
وليس من الطبيعي أن يتحوّل جهم بن صفوان من التبرير إلى الثورة دون أن تتطور أفكاره. ومع ذلك فالمصادر التي بين أيدينا تكتفي بذكر المقالات كاملة دون بيان لتطورها عند نفس المفكر أو عند اتباعه الأمر الذي يجعلنا نظلّ في مجال التخمينات والافتراضات. ويفترض محمد عمارة أن جهم بن صفوان نقم على الأمويين «موقفهم الذي يرفض الاعتراف باسلام الموالي من أهل فارس وخراسان، بحجة أن اسلامهم غير خالص لله» ويضيف «فالجهمية كالأمويين كانوا جبرية
مرجئة وإن كان الخلاف بينهما قد كان في حقل الإرجاء، وعلى من يستفيد من هذا الإرجاء الحكام الأمويون؟ أم الجماهير التي أسلمت من موالي فارس وخراسان؟» وإذا كان هذا الافتراض على وجاهته قد فسّر إرجاء جهم، فإنه لم يفسّر جبريته، ومن ثمّ يحتاج ذلك إلى افتراض آخر ذي شقين: الشق الأول يكمن في الروح العدائية التي قوبل بها القول بالقدر عند معبد الجهني والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي من جانب الخلفاء الأمويين وأتقياء المسلمين معا، أمّا الشق الثاني فيكمن في ذلك التعارض القائم بين القول بالقدر والتوحيد المطلق. وإذا استعرضنا أقوال جهم في الجبر والتوحيد فسنلحظ على الفور أنه أوقع نفسه في التناقض الذي لا يمكن حلّه إلّا عن طريق القول بالجبر. والتوحيد عند جهم هو نفي مشابهة الله للأشياء «لا أقول أن الله سبحانه شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء» «وامتنع عن وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء، وموجود، وحي، وعالم، ومريد، ونحو ذلك. ووصفه بأنه قادر، وموجد، وفاعل، وخالق، ومحيي، ومميت.