فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 269

ولقد كان الوجدان المسلم أقرب إلى التسليم بحرية الإرادة الالهية حرية مطلقة، وباعتبار الارادة الانسانية محكومة بإرادة الله القادر على كل شيء وخاضعة لها. وبدت أفكار معبد الجهنى والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي غريبة على التفكير الديني حتى «تبّرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر، وجابر ابن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى،

وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم». لكن هذا التعارض الظاهري بين «العدل» و «التوحيد» لم يكن قائما في ذهن مؤسسيه الأوائل، على أساس أن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي حاول تبرير قبحه برفع مقولة «الجبر» كان، بالتالي، ينسب كل مظاهر الظلم والشر إلى الإرادة الالهية باعتبارها هي الإرادة النافذة. وثمة حادثة لها دلالتها في هذا الصدد بصرف النظر عن الصدق الحرفي لوقائعها. وليس من قبيل الصدفة ان تقع هذه الواقعة في عهد عبد الملك بن مروان أيضا، إذ يروى أنه لمّا قتل عمرو بن سعيد «أمر برمي رأسه إلى جمهور المخلصين له الذين كانوا ينتظرون أمام القصر عودته، كما أمر باعلامهم أن «أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ» ومعنى ذلك أن كل مظالم بني أمية كانت تنسب تحت مقولة الجبر إلى الإرادة الالهية. وكان على الذين يحملون لواء المعارضة، بعد أن أعلنوا مقولة «الاختيار» ضد «الجبر» أن ينفوا عن الله إرادة الظلم والقتل والعسف. هذا النفي كان من شأنه أن يؤدي إلى التفرقة بين الصفة الانسانية والصفة الإلهية، وإلى نفي مشابهة الله للبشر ذاتا وفعلا، ما دام البشر بإرادتهم المختارة هم الذين يفعلون الشر.

ومن المؤسف أن أقوال هؤلاء المفكرين الاوائل في حرية الإرادة والتوحيد لم تصلنا مفصلة باستثناء إنكار الجعد بن درهم أن يكون الله متكلّما وقوله بخلق القرآن، وهما القولان اللذان تجعلهما المصادر سببا لذبحه. أمّا غيلان الدمشقي فقد ذهب إلى جانب قوله «بالقدر خيره وشره من العبد في الإمامة أنها تصلح في غير قريش وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، وأنها لا تثبت إلّا بإجماع الأمّة» وهو قول يضعه في معسكر الخوارج ويخرجه من معسكر المرجئة الذي يضعه فيه مؤرخو المقالات كالأشعري والبغدادي والشهرستاني. ولكن علينا أن نلاحظ أن الإرجاء لم يثبت على أفكاره السلبية التبريرية في أوائل العصر الأموي، وإنما تحوّل بحكم عوامل كثيرة، من أهمها العنف الذي واجه به الأمويون كل مخالف في الرأي، ثم سوء معاملة الموالي، وجلّ مفكري المرجئة المتأخرين من الموالي. كل ذلك جعل أفكار المرجئة تتطور من السلبية إلى الايجابية، بل جعل المرجئة أنفسهم يشاركون في الثورة على بني أمية. ويقابلنا أول تقسيم لفرق المرجئة عند البغدادي حيث يقول «والمرجئة ثلاثة أصناف. صنف منهم قال بالإرجاء في الايمان وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة، كغيلان وأبي شمر، ومحمد بن شبيب البصري وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الايمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، فهم إذا من جملة الجهمية، والصنف الثالث منهم خارجون عن الجبرية والقدرية» أما الشهرستاني فإنه يضيف فرقة رابعة يطلق

عليها «مرجئة الخوارج» ولعل في ذلك ما يؤكّد ما يذهب إليه بعض الباحثين من أن المرجئة حاولوا «تثوير» عقائدهم» «إذ تأثّرت بآراء الخوارج والشيعة في الثورة على الظلم، كما تبنّت بعض مبادئ القدرية في الحرية الانسانية» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت