ولقد كان من الطبيعي أن يكون للموالي في هذا الصراع الفكري، وفي التأثّر بالأفكار اللاهوتية المسيحية أو اليهودية دور ليس للعرب الخلّص بحكم ثقافتهم
المزدوجة أولا، وبحكم المكانة التي وضعتهم فيها الدولة الأموية بسبب طبيعتها العربية لا الاسلامية. وكان من الطبيعي ان يمثّل الموالي قطاعا كبيرا من قطاعات الثورة ضد الحكم الأموي، ومن ثمّ انضموا للأحزاب المناوئة لهذا الحكم والتي كانت تمنحهم حقوقا مساوية لحقوق العرب الخلّص تحت راية التعاليم الاسلامية «وقد سبق الخوارج إلى ذلك، فقبلوا الموالي في جماعتهم وفي جيشهم، وجعلوهم على قدم المساواة مع العرب. وقد ترسّم الشيعة خطى الخوارج في ذلك ونجحوا أكثر منهم بكثير» .
ويبدو أن إعلان مقولة «الجبر» كنوع من التبرير الديني، كان القصد منه أن توحي إلى أتقياء المسلمين «أن الله قد حكم أزلا ان تصل هذه الأسرة إلى الحكم وأن ما يعملون ليس إلا أثرا أو نتيجة لقدر إلهي محكم» ولذلك وقف خلفاء بني أمية موقفا غاية في العنف من أولئك المفكرين الأوائل الذين قالوا بحرية الإرادة الانسانية وبمسئولية الانسان عن فعله. فالخليفة عبد الملك بن مروان لم يتورع عن قتل معبد الجهني (ت 80هـ) ولم يتورع خالد بن عبد الله القسري أن يذبح الجعد بن درهم (ت 120هـ) أسفل المنبر بعد صلاة العيد. وكلاهما ذهب إلى «القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر» أما غيلان الدمشقي (ت 99هـ) فقد قتله هشام بن عبد الملك أيضا. وتنسب المصادر إلى معبد الجهني أنه أخذ فكرته في القدر عن معلّم نصراني لا تتفق في تحديد اسمه، أما الجعد بن درهم فقد «كان يقيم بدمشق إذ كانت له دار بالقرب من القلاسين إلى جانب الكنيسة» . وجدير بالذكر أن الجعد بن درهم كان مؤدّبا لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وذلك أيام كان واليا على الجزيرة وقبل أن يتولى الخلافة وفي هذا دلالة على ثقافته وسمعته الطيبة.
ولقد كان من الطبيعي أن ترتبط مقولة «التوحيد» ونفي مشابهة الله للبشر بمقولة «العدل» ومسئولية الانسان عن أفعاله منذ البداية، وذلك رغم التعارض الظاهري بينهما. ويبدو هذا التعارض في توهّم أن القول بحرية الإرادة الانسانية يعني الحدّ من حرية الإرادة الالهية، أو التعارض معها على الأقل.
ولقد كان الوجدان المسلم أقرب إلى التسليم بحرية الإرادة الالهية حرية مطلقة، وباعتبار الارادة الانسانية محكومة بإرادة الله القادر على كل شيء وخاضعة لها. وبدت أفكار معبد الجهنى والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي غريبة على التفكير الديني حتى «تبّرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر، وجابر ابن عبد الله، وأبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى،
وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم». لكن هذا التعارض الظاهري بين «العدل» و «التوحيد» لم يكن قائما في ذهن مؤسسيه الأوائل، على أساس أن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي حاول تبرير قبحه برفع مقولة «الجبر» كان، بالتالي، ينسب كل مظاهر الظلم والشر إلى الإرادة الالهية باعتبارها هي الإرادة النافذة. وثمة حادثة لها دلالتها في هذا الصدد بصرف النظر عن الصدق الحرفي لوقائعها. وليس من قبيل الصدفة ان تقع هذه الواقعة في عهد عبد الملك بن مروان أيضا، إذ يروى أنه لمّا قتل عمرو بن سعيد «أمر برمي رأسه إلى جمهور المخلصين له الذين كانوا ينتظرون أمام القصر عودته، كما أمر باعلامهم أن «أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ» ومعنى ذلك أن كل مظالم بني أمية كانت تنسب تحت مقولة الجبر إلى الإرادة الالهية. وكان على الذين يحملون لواء المعارضة، بعد أن أعلنوا مقولة «الاختيار» ضد «الجبر» أن ينفوا عن الله إرادة الظلم والقتل والعسف. هذا النفي كان من شأنه أن يؤدي إلى التفرقة بين الصفة الانسانية والصفة الإلهية، وإلى نفي مشابهة الله للبشر ذاتا وفعلا، ما دام البشر بإرادتهم المختارة هم الذين يفعلون الشر.