وإذن فالصراع السياسي بين الخوارج والأمويين، وازاه صراع فكري حول
قضيتين أساسيتين، هما قضية الإمامة، وقضية الحكم على مرتكب الكبيرة، أو الإمام الجائر إذا استخدمنا لغة الخوارج. والمعسكران اللذان أسهما في الحوار هما الخوارج والمرجئة. ولمّا كان المرجئة هم ممثلو الحزب الأموي فقد امتنعوا عن الخوض في أحقية الإمامة أو شروطها، لأن واقع الخلفاء الأمويين ومسلكهم العملي إزاء عامة المسلمين اتّسم بالعسف والجور، الأمر الذي منع مفكريهم من الخوض في قضية الإمامة، لأنها بكل المعايير ستكون قضية خاسرة. وبناء على ذلك تحوّلوا بالقضية الى خلاف فقهي حول تعريف الايمان والكفر وعلاقتهما بالعمل. وتصدّى الخوارج للرد على هذه النزعة التبريرية التي تخلّ في النهاية بمعايير الثواب والعقاب، وتؤدي إلى نوع من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية، نتيجة لفتح باب الغفران على مصراعيه.
غير أن البعد السياسي لهذه الخلافات الدينية لا ينبغي أن يلفتنا عن الوجه المتصل بالتقوى الدينية، تلك التقوى التي جعلت كثيرا من المسلمين والذين لم يكونوا من الخوارج لا يستريحون لسلوك كثير من خلفاء بني أمية، هؤلاء الخلفاء الذين قتلوا آل بيت رسول الله وهدموا بيت الله ونبشوا القبور ومثّلوا بالجثث
الخ. كان أتقياء المسلمين إذن غير راضين عن أحوال الدولة، ولكنهم لم يكونوا يملكون سوى الصمت. وبديهي أن أفكار المرجئة «لم تكن تتفق وعاطفة أولئك الورعين الذين لا يرون في سياسة وصول الأمويين للحكم، وفي رجالاتهم وعمالهم، إلّا عدم تقوى، بل كفرا» . ولقد حاول الأمويون الدفاع عن سياستهم القائمة على العسف والظلم، وكان طبيعيا أن يحاولوا استغلال التصور الديني القائم على التقوى أيضا الذي يرى أن كل شيء في هذا الكون إنما هو خاضع لإرادة الله ومشيئته، تلك الإرادة الحرّة التي لا يمكن أن تحدّ منها الإرادة الانسانية. حاول الأمويون أن يستغلوا هذا التصور لتثبيت دعائم سلطانهم على أساس ديني مكين.
ولمّا كان من الصعب على وجدان المسلم التقي أن يحدّ من قدرة الله وإرادته، وأن يضع الإرادة الانسانية كمقابل للإرادة الإلهية فقد كان من الطبيعي أن يتلقى العلماء المسلمون الردّ على ذلك من علماء الكلام أو اللاهوت المسيحيين «فدمشق المركز العقلي للاسلام في عصر الخلافة الأموية، كانت في الوقت نفسه مركز التفكير النظري في القدر، وفي المذهب الجبري أيضا، ومن هناك انتشر هذا التفكير سريعا في ميدان أكثر اتساعا» .
ولقد كان من الطبيعي أن يكون للموالي في هذا الصراع الفكري، وفي التأثّر بالأفكار اللاهوتية المسيحية أو اليهودية دور ليس للعرب الخلّص بحكم ثقافتهم
المزدوجة أولا، وبحكم المكانة التي وضعتهم فيها الدولة الأموية بسبب طبيعتها العربية لا الاسلامية. وكان من الطبيعي ان يمثّل الموالي قطاعا كبيرا من قطاعات الثورة ضد الحكم الأموي، ومن ثمّ انضموا للأحزاب المناوئة لهذا الحكم والتي كانت تمنحهم حقوقا مساوية لحقوق العرب الخلّص تحت راية التعاليم الاسلامية «وقد سبق الخوارج إلى ذلك، فقبلوا الموالي في جماعتهم وفي جيشهم، وجعلوهم على قدم المساواة مع العرب. وقد ترسّم الشيعة خطى الخوارج في ذلك ونجحوا أكثر منهم بكثير» .