ولقد كان من الطبيعي أن يستقطب الفكر السياسي الثوري للخوارج «الطبقات المعدمة الرقيقة الحال في المجتمع الاسلامي، التي راقتها كثيرا ميول الخوارج الديموقراطية واحتجاجهم على مظالم الحكام والولاة» كما انضم إليهم أيضا «اولئك العرب الخلّص من رجال الصحراء وبخاصة بعض القبائل العربية
ذات الخطر والشأن مثل قبيلة تميم وأبطال القادسية ورؤساء الجند».
أمّا المرجئة وهم مفكرو الحزب الأموي فلم يتناولوا مسألة الإمامة تناولا صريحا. وليس في أقدم مصادر الفرق والمقالات أيّ إشارة لرأي لهم في هذا الخلاف المستعر حولهم، بل كانت القضية التي شغلتهم هي تعريف الايمان والكفر وتأويل آيات الوعيد. وتتفق كل فرق المرجئة على أن الايمان هو المعرفة بالله والتصديق دون العمل، أو هو المعرفة والتصديق والإقرار باللسان. وكلهم تقريبا لا يجعلون العمل شرطا من شروط الايمان. هذا التعريف للايمان من شأنه أن يحكم على الحاكم الجائر بأنه مؤمن، لا كافر كما حكمت الخوارج، وذلك تأسيسا على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان كافيان للحكم على الايمان. وما دام الحاكم مهما اشتد ظلمه مؤمنا، فلا يحق لأحد الخروج عليه.
«وأجمعت المرجئة بأسرها أن الدار دار الايمان، وحكم أهلها الايمان، إلّا من ظهر منه خلاف الايمان» ويجمع المرجئة أيضا على تأويل آيات الوعيد الواردة في القرآن الكريم على أساس أن فيها استثناء مضمرا، أو أنها خاص وردت مورد العام. وهو مسلك تبريري يفتح الباب على مصراعيه للمظالم والمفاسد، ما دام الايمان هو التصديق بالقلب أو الإقرار باللسان دون العمل، وما دام باب الغفران مفتوحا بلا حدود ولا ضوابط، «وما دامت لا تضر مع الايمان معصية» ولا شك أن المرجئة بهذا التحرّج والخشية من اتخاذ موقف صريح وواضح يعدّون امتدادا طبيعيا لأولئك الذين اعتزلوا صراع علي وطلحة والزبير، وتوقفوا في الحكم على عثمان.
وكان من الطبيعي في مجال الصراع الفكري أن يقرن الخوارج بين الايمان والعمل، وأن ينكروا ما يقول المرجئة من أن الايمان هو التصديق بالقلب أو الإقرار باللسان دون العمل. ومن الصعب على الباحث أن يحدّد بدقة الفترة التي بدأ الخوارج فيها يساهمون في الجدل الفكري، إلى جانب تحمّلهم عبء المقاومة العسكرية. ويشير بعض الباحثين إلى أن الخوارج بدءوا هذه المساهمة في خلافة عبد الملك بن مروان حيث مزجوا بين آرائهم في الإمامة وهي آراء سياسية ذات صبغة دينية، وبين الابحاث الدينية البحتة، أو التي تبدو كذلك «فقالوا إن العمل بأوامر الدين من صلاة وصيام وصدق وعدل جزء من الايمان، وليس الايمان الاعتقاد بالله ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم فحسب. فمن اعتقد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله ثم لم يعمل بما يفرضه الدين وارتكب الكبائر فهو كافر» .
وإذن فالصراع السياسي بين الخوارج والأمويين، وازاه صراع فكري حول
قضيتين أساسيتين، هما قضية الإمامة، وقضية الحكم على مرتكب الكبيرة، أو الإمام الجائر إذا استخدمنا لغة الخوارج. والمعسكران اللذان أسهما في الحوار هما الخوارج والمرجئة. ولمّا كان المرجئة هم ممثلو الحزب الأموي فقد امتنعوا عن الخوض في أحقية الإمامة أو شروطها، لأن واقع الخلفاء الأمويين ومسلكهم العملي إزاء عامة المسلمين اتّسم بالعسف والجور، الأمر الذي منع مفكريهم من الخوض في قضية الإمامة، لأنها بكل المعايير ستكون قضية خاسرة. وبناء على ذلك تحوّلوا بالقضية الى خلاف فقهي حول تعريف الايمان والكفر وعلاقتهما بالعمل. وتصدّى الخوارج للرد على هذه النزعة التبريرية التي تخلّ في النهاية بمعايير الثواب والعقاب، وتؤدي إلى نوع من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية، نتيجة لفتح باب الغفران على مصراعيه.