فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 269

أمّا الحكم على المتحاربين: علي وطلحة والزبير، وكذلك على عثمان وقاتليه فقد كان أيضا محل خلاف بين الخوارج والشيعة من جانب، وبين الشيعة بفرقها المختلفة من جانب آخر. ذهبت الشيعة إلى تكفير كل من حارب عليا وتخطئته، بل غالى بعضهم وخاض في أبي بكر وعمر وشكك في أحقيتهما للخلافة، وذهبت الخوارج كذلك إلى تخطئة عثمان في أواخر خلافته وكذلك خطئوا عليا بعد قبوله التحكيم، ولم ينج من أحكامهم أحد من مخالفيهم كما سبقت الاشارة. أمّا موقف واصل من عثمان «فقد توقف فيه وفي خاذليه وقاتليه وترك البراءة من واحد

منهم وذلك أنه قد صحّت عنده لعثمان أحداث في الست الأواخر فأشكل عليه أمره فأرجأه الى عالمه» ونفس الموقف يقفه هو وزميله عمرو بن عبيد من علي ومحاربيه طلحة وعائشة والزبير «فقد كان القوم عندهما أبرارا أتقياء مؤمنين قد تقدّمت لهم سوابق حسنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرة وجهاد وأعمال جميلة، ثم وجداهم قد تحاربوا وتجالدوا بالسيوف فقالا: قد علمنا أنهم ليسوا بمحقين جميعا، وجائز أن تكون إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة ولم يتبين لنا من المحق منهم من المبطل فوكّلنا أمر القوم إلى عالمه، وتولينا القوم على أصل ما كانوا عليه قبل القتال، فإذا اجتمعت الطائفتان: قلنا: قد علمنا أن إحداكما عاصية لا ندري أيكما هي»

ويبدو مذهب واصل وعمرو بن عبيد في هذه القضية أقرب إلى المرجئة منه إلى الخوارج، ولكنهم مرجئة لا ينفون الخطأ ولا يغمضون أعينهم عنه، فثمّ أخطاء وقعت في الست الأواخر من حكم عثمان، ولكن النفس التقية التي تتأثم من الرجم بالغيب تتوقف في الحكم، وترجئ الأمر لعلام الغيوب. والمعتزلة على عكس المرجئة لا يفتحون باب الرحمة ولا يحكمون بالايمان أو الكفر، بل يتوقفون مع الاقرار بوقوع الخطأ. وهم يختلفون مع المرجئة في اقرارهم بالخطإ دون تحديد المخطئ، ويختلفون مع الشيعة والخوارج كذلك بتوقفهم عن تحديد المخطئ.

أمّا الموقف من الأمويين فهو مختلف تماما، فالحكم الأموي قائم، والتوقف عن الحكم عليه إرجاء واضح ومظالم الأمويين تملأ الآفاق. وموقف أستاذهم الحسن من الأمويين واضح وضوحا بينا، ولذلك فهم «مجمعون على البراءة من عمرو ومعاوية ومن كان في شقهما وهذا قول لا تبرأ المعتزلة منه ولا تعتذر من القول به» وفي هذا القول يتفق المعتزلة مع كل من الشيعة والخوارج، ويختلفون مع المرجئة بكل اتجاهاتها ومذاهبها.

وتثير مسألة خلاف واصل مع أستاذه الحسن حول وصف مرتكب الكبيرة علامة استفهام تحتاج للاجابة والتوضيح، خصوصا وهما يشتركان في كراهية بني أمية. ويحسّ الباحث أن هذا الخلاف كان خلافا شكليا يتصل بالتسمية دون أن يرتدّ إلى خلاف أعمق من ذلك. وليس معنى وصف الخلاف بأنه شكلي التهوين من شأنه، فمن الواضح أن هذا الخلاف كانت له أهميته عند واصل حتى ناظر عليه عمرو بن عبيد واكتسبه إلى جانبه. وترتدّ هذه الأهمية في نظرنا إلى ما سبق أن ألمحنا إليه من رغبة واصل في رفع الخلاف حول تسمية مرتكب الكبيرة والحكم عليه، وتوحيده بهدف توحيد قوى المعارضة، وإزالة أسباب الخلاف بينها.

ولسنا بحاجة لتأكيد أن الحسن كان يمثّل تلك الجماعة من أتقياء المسلمين وزهادهم الذين تعايشوا لفترة مع الحكم الأموي بحكم الأمر الواقع، وإن لم يجاهروا بعدائه خوفا من سطوة حكامه وجبروتهم خصوصا في عهد عبد الملك بن مروان، وواليه على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي. ولم تمنعهم هذه المعايشة من محاولة التصدي فكريا لكل الأفكار التي حاولت أن تدعم هذا النظام وتسانده. ولقد كان من الطبيعي أن تؤدي هذه النظرة التقية المسالمة إلى الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه منافق «وحكم الله في المنافق أنه إن ستر نفاقه فلم يعلم به وكان ظاهره الاسلام فهو عندنا مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم» ومن المؤكد أن أحدا من الحكام الأمويين لم يعلن نفاقه، ومن ثم فمعاملتهم معاملة المسلمين أمر واجب على أتقياء المسلمين. ومن الضروري ألّا يغيب عن الأذهان أثر الضغط الأموي، وتزايد سياستهم الارهابية في تكوين هذه النظرة المسالمة إذا قورنت بنظرة الخوارج الواضحة كالسيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت