وتثير مسألة خلاف واصل مع أستاذه الحسن حول وصف مرتكب الكبيرة علامة استفهام تحتاج للاجابة والتوضيح، خصوصا وهما يشتركان في كراهية بني أمية. ويحسّ الباحث أن هذا الخلاف كان خلافا شكليا يتصل بالتسمية دون أن يرتدّ إلى خلاف أعمق من ذلك. وليس معنى وصف الخلاف بأنه شكلي التهوين من شأنه، فمن الواضح أن هذا الخلاف كانت له أهميته عند واصل حتى ناظر عليه عمرو بن عبيد واكتسبه إلى جانبه. وترتدّ هذه الأهمية في نظرنا إلى ما سبق أن ألمحنا إليه من رغبة واصل في رفع الخلاف حول تسمية مرتكب الكبيرة والحكم عليه، وتوحيده بهدف توحيد قوى المعارضة، وإزالة أسباب الخلاف بينها.
ولسنا بحاجة لتأكيد أن الحسن كان يمثّل تلك الجماعة من أتقياء المسلمين وزهادهم الذين تعايشوا لفترة مع الحكم الأموي بحكم الأمر الواقع، وإن لم يجاهروا بعدائه خوفا من سطوة حكامه وجبروتهم خصوصا في عهد عبد الملك بن مروان، وواليه على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي. ولم تمنعهم هذه المعايشة من محاولة التصدي فكريا لكل الأفكار التي حاولت أن تدعم هذا النظام وتسانده. ولقد كان من الطبيعي أن تؤدي هذه النظرة التقية المسالمة إلى الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه منافق «وحكم الله في المنافق أنه إن ستر نفاقه فلم يعلم به وكان ظاهره الاسلام فهو عندنا مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم» ومن المؤكد أن أحدا من الحكام الأمويين لم يعلن نفاقه، ومن ثم فمعاملتهم معاملة المسلمين أمر واجب على أتقياء المسلمين. ومن الضروري ألّا يغيب عن الأذهان أثر الضغط الأموي، وتزايد سياستهم الارهابية في تكوين هذه النظرة المسالمة إذا قورنت بنظرة الخوارج الواضحة كالسيف.
ولقد كان من الطبيعي أن ينفر أمثال الحسن من الخروج ومن شهر السيوف، وأن يؤدي بهم هذا النفور إلى معاداة الخوارج، خصوصا مع مبالغتهم في استخدام مبدأ «التكفير» والعرض على السيف لكل من خالفهم في الأصول أو التفاصيل.
ولم يكن هذا الموقف المهادن وقفا على الحسن وأمثاله، فالشيعة ركنت بعد مأساة كربلاء إلى مهادنة الأمويين. وإذا استثنينا ثورة التوّابين وثورة المختار، وهي ثورات لم تكن تحت قيادة علوية مباشرة، لا نجد خروجا شيعيا مسلحا إلّا مع ثورة زيد بن علي بن الحسين (ت 95هـ) في عهد هشام بن عبد الملك. ولقد رفض محمد بن الحنفية الخروج مع عبد الله بن الزبير، كما أنه فيما يقال استنكر أقوال المختار الذي خرج باسمه. ولم يخرج من أبناء الحسن أو الحسين أحد حتى قرر زيد بن علي الخروج. ويبدو أن خروج زيد لم يكن أمرا متفقا عليه بينه وبين باقي أهل البيت من إخوته، وفيهم من هو أحق بالإمامة والخروج منه بحكم السن. ودون الخوض في تفاصيل هذا الخلاف وأسبابه، يهمنا أن نشير إلى أن الموقف السياسي كان وراء رفض بعض الائمة الخروج «وكان الباعث على ذلك الشدة التي اتبعها الامويون تجاه من يخرج على سلطانهم. فقد أدرك أئمة الشيعة أن الثورات المحلية المسلحة لا تجدي نفعا ما دامت الدولة الأموية تعزّز سلطانها بالجند والمال، لهذا أشاعوا بين أتباعهم التزام الهدوء أمام الأحداث التي كانت جارية آنذاك، مهما بلغت من العنف والقسوة، اللهم إلّا في حالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي حدود معينة لا يتعرّض فيها المؤمن إلى فتك السلطان» ويبدو أن الخلاف
الذي واجهه زيد بن علي كان حادا حتى أنه فيما يقول الشهرستاني ذهب إلى أن «كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة، أن يكون إماما واجب الطاعة سواء من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي الله عنهما» وهو قول يجعل القدرة على الخروج وحمل السيف شرطا للإمامة ومسوّغا لها. ولقد كان من الطبيعي أن يعترض أخوه محمد الباقر على قوله هذا حتى قال له يوما «على مقتضى مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج ولا تعرض للخروج»