ولم يكن هذا الموقف المهادن وقفا على الحسن وأمثاله، فالشيعة ركنت بعد مأساة كربلاء إلى مهادنة الأمويين. وإذا استثنينا ثورة التوّابين وثورة المختار، وهي ثورات لم تكن تحت قيادة علوية مباشرة، لا نجد خروجا شيعيا مسلحا إلّا مع ثورة زيد بن علي بن الحسين (ت 95هـ) في عهد هشام بن عبد الملك. ولقد رفض محمد بن الحنفية الخروج مع عبد الله بن الزبير، كما أنه فيما يقال استنكر أقوال المختار الذي خرج باسمه. ولم يخرج من أبناء الحسن أو الحسين أحد حتى قرر زيد بن علي الخروج. ويبدو أن خروج زيد لم يكن أمرا متفقا عليه بينه وبين باقي أهل البيت من إخوته، وفيهم من هو أحق بالإمامة والخروج منه بحكم السن. ودون الخوض في تفاصيل هذا الخلاف وأسبابه، يهمنا أن نشير إلى أن الموقف السياسي كان وراء رفض بعض الائمة الخروج «وكان الباعث على ذلك الشدة التي اتبعها الامويون تجاه من يخرج على سلطانهم. فقد أدرك أئمة الشيعة أن الثورات المحلية المسلحة لا تجدي نفعا ما دامت الدولة الأموية تعزّز سلطانها بالجند والمال، لهذا أشاعوا بين أتباعهم التزام الهدوء أمام الأحداث التي كانت جارية آنذاك، مهما بلغت من العنف والقسوة، اللهم إلّا في حالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي حدود معينة لا يتعرّض فيها المؤمن إلى فتك السلطان» ويبدو أن الخلاف
الذي واجهه زيد بن علي كان حادا حتى أنه فيما يقول الشهرستاني ذهب إلى أن «كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة، أن يكون إماما واجب الطاعة سواء من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي الله عنهما» وهو قول يجعل القدرة على الخروج وحمل السيف شرطا للإمامة ومسوّغا لها. ولقد كان من الطبيعي أن يعترض أخوه محمد الباقر على قوله هذا حتى قال له يوما «على مقتضى مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج ولا تعرض للخروج»
ولم يكن واصل بن عطاء على أي حال بعيدا عن جو الخلاف الشيعي هذا.
ونحن بالقطع لا نستطيع أن نتقبل تلك الرواية التي تجعل من واصل تلميذا مباشرا لمحمد بن الحنفية، بل وتدّعي أنه «أخذ علم الكلام عنه، وصار كالأصل لسنده» وتبالغ حتى تنسب إليه أنه «ربي واصلا وعلّمه حتى تخرّج واستحكم» والسبب في ذلك أن واصلا ولد عام 81هـ وهو نفس العام الذي توفي فيه ابن الحنفية. ومن المحتمل ان يكون واصل قد عرف أفكار ابن الحنفية عن طريق ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد (ت 98هـ) وهذا أمر تؤكّده سلسلة السند التي يعتزّ بها كل من المعتزلة والشيعة، والتي تنتهي إلى واصل وعمرو «وهما أخذا عن عبد الله بن محمد، وعبد الله أخذ عن أبيه محمد بن الحنفية» ومن جهة أخرى تؤكّد هذه المصادر صلة واصل بأبي هاشم هذا «وكان معه في المكتب» . ولسنا نذهب من هذه الرواية إلى نسبة الاعتزال إلى محمد بن الحنفية كما تحاول المصادر الاعتزالية والشيعية أن تفعل، بقدر ما نحاول إثبات الصلة بين واصل والشيعة في هذه الفترة لرصد التأثير المتبادل بينهما. ومن المحتمل أن يكون ابن الحنفية الذي «اختار العزلة، فآثر الخمول على الشهرة» قد ذهب إلى الإرجاء أو التقيّة تبريرا لهذا الموقف الذي فرضته عليه الظروف.
ولقد ظلّ هذا الرأي الذي يرى الهدوء والتريث والتقيّة سائدا بين صفوف الشيعة حتى قرر زيد بن علي الخروج. وكان قراره هذا موضعا لخلاف أخيه محمد الباقر وابن أخيه جعفر بن محمد الصادق. ويبدو أن واصلا كان على رأي زيد في ضرورة الخروج حتى اتهمه جعفر بن محمد بأنه أتى أمرا يفرّق الكلمة ويطعن به على الأئمة. وكان رد واصل على هذا الاتهام في حضور زيد بن علي وغيره من آل البيت «وإنك يا جعفر ابن الأئمة شغلك حب الدنيا فأصبحت بها كلفا» .
ويمكننا أن نستنبط من الاتهام والرد معا أن الخلاف بين واصل وبين جعفر لم يكن حول قضية من قضايا الفكر الاعتزالي الشهيرة، أو أصولهم الخمسة، لأن هذه الأصول لا تتضمن أي اساءة للأئمة. وأغلب الظن أن هذا الخلاف كان حول
مشروعية الخروج وشهر السيف ضد الخليفة الأموي، وهو أمر لم يكن يراه جعفر بن محمد، وكان يراه زيد بن علي الذي عضده واصل. وليس أدل على صدق هذا الاستنتاج من أن اشتراط زيد لصحة الإمامة القدرة على الخروج والثورة وهو ما أنكره باقي آل البيت خصوصا أخوه الباقر يتفق مع قول المعتزلة في هذه القضية.