ويمكننا أن نستنبط من الاتهام والرد معا أن الخلاف بين واصل وبين جعفر لم يكن حول قضية من قضايا الفكر الاعتزالي الشهيرة، أو أصولهم الخمسة، لأن هذه الأصول لا تتضمن أي اساءة للأئمة. وأغلب الظن أن هذا الخلاف كان حول
مشروعية الخروج وشهر السيف ضد الخليفة الأموي، وهو أمر لم يكن يراه جعفر بن محمد، وكان يراه زيد بن علي الذي عضده واصل. وليس أدل على صدق هذا الاستنتاج من أن اشتراط زيد لصحة الإمامة القدرة على الخروج والثورة وهو ما أنكره باقي آل البيت خصوصا أخوه الباقر يتفق مع قول المعتزلة في هذه القضية.
وموقف زيد من أبي بكر وعمر وتوليهما وعدم الخوض فيهما وهو ما أنكره بعض أنصاره يؤكّد أثر واصل وأثر الفكر الاعتزالي في الشيعة الزيدية. ويؤكّد الشهرستاني هذا الأثر بقوله عن زيد بن علي «فتلمذ لواصل بن عطاء الغزال الألثغ رأس المعتزلة، ورئيسهم وصارت أصحابه كلهم معتزلة»
يرى بعض الباحثين أن ثورة زيد بن علي «كانت أول دعوة علوية نهجت نهجا سريا في نشر مبادئها» . ولس من المستبعد والحالة هذه أن يكون واصل بن عطاء قد ساهم بشكل ما في تنظيم هذه الدعوة، فلقد كان لواصل دعاة كثيرون أرسلهم إلى الآفاق «بعث عبد الله بن الحارث إلى المغرب فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم وبعث القاسم إلى اليمن، وبعث أيوب إلى الجزيرة، وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينية» . وليس من المعقول أن تكون مهمة هؤلاء الدعاة هي مجرد الدعوة إلى أفكار المعتزلة في العدل والتوحيد، أو في نشر الاسلام، دون أن ترتبط هذه الأفكار بمغزاها الاجتماعي والسياسي، وبالدعوة للثورة ضد النظام الأموي.
وإذا كانت ثورة زيد بن علي قد أمكن القضاء عليها، فإن العلاقة بين المعتزلة والثورات الزيدية التالية ظلّت قائمة، حتى مع انتهاء الخلافة الأموية وقيام دولة بني العباس. وتتبدى علاقة عمرو بن عبيد بمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي المعروف بالنفس الزكية (قتله المنصور 145هـ) من نص يورده الشريف المرتضى عن حوار دار بينه وبين الخليفة المنصور «قال: بلغني أن محمد بن عبد الله بن الحسن كتب إليك كتابا، قال: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه، قال: فبماذا أجبته؟ قال: أولست قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا وأني لا أراه، قال: أجل ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي، قال: لئن كذبتك تقية لأحلفن لك تقية» وهي علاقة من الواضح أنها تقلق الخليفة المنصور الذي يطلب من عمرو بن عبيد رغم ثقته فيه واحترامه الزائد له أن يقسم له.
ولقد شارك المعتزلة بشكل ايجابي وفعّال في ثورة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أخي محمد النفس الزكية الذي ثار بالبصرة «فغلب عليها وعلى الأهواز وعلى فارس وأكثر السواد، وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية
يريد محاربة المنصور ومعه عيسى بن زيد بن علي فبعث اليه أبو جعفر بعيسى بن موسى وسعيد بن سلم فحاربهما إبراهيم حتى قتل، وقتلت المعتزلة بين يديه».