ولقد شارك المعتزلة بشكل ايجابي وفعّال في ثورة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أخي محمد النفس الزكية الذي ثار بالبصرة «فغلب عليها وعلى الأهواز وعلى فارس وأكثر السواد، وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية
يريد محاربة المنصور ومعه عيسى بن زيد بن علي فبعث اليه أبو جعفر بعيسى بن موسى وسعيد بن سلم فحاربهما إبراهيم حتى قتل، وقتلت المعتزلة بين يديه».
وجدير بالذكر أن هذين الثائرين من الزيدية (كانا ممن دعاهما واصل إلى القول بالعدل، فاستجابا له، وذلك لمّا حج واصل، ودعا الناس بمكة والمدينة».
ومعنى ذلك كله أن القول «بالمنزلة بين المنزلتين» رغم توفيقيته الظاهرة كان محاولة للخروج من حالة التقيّة التي غلبت على موقف الحسن وعبّرت عن نفسها بالقول بنفاق مرتكب الكبيرة من جهة، وكانت أيضا محاولة لبث روح الثورة في موقف الشيعة الذي كان قد سكن وركن للهدوء. ومن جهة أخرى يعدّ هذا الموقف وقوفا ضد النزعة الدموية التي سيطرت على الفكر الخارجي خصوصا الأزارقة الذين فقدوا عطف أتقياء المسلمين. غير أن هذا الخلاف بين واصل والخوارج ليس خلافا جوهريا، إذ أن اشتراط التوبة لدخول مرتكب الكبيرة الجنة يرفع الخلاف بين واصل وبين الخوارج. ويظلّ خلاف واصل مع المرجئة في قضية مرتكب الكبيرة هو الخلاف الأساسي والجوهري. والفارق بين واصل والمرجئة أن واصلا لم يفتح باب العفو والأمل على مصراعيه، بل جعله؟؟ بالتوبة الصادقة.
وهذا كله يؤكّد البعد السياسي لقضية مرتكب الكبيرة وينفي عنها تلك الصبغة الفقهية الخالصة التي تصبغها بها كتب المقالات.
ويؤكّد أيضا ما نذهب إليه من أن واصلا كان يسعى للتوفيق بين قوى المعارضة وخلق جبهة موحدة ضد حكم الأمويين ما سبق أن بيّناه من رأيه في عثمان وعلي وطلحة والزبير رغم ما يبدو عليه من طابع الإرجاء في مواجهة أحداث الماضي. ومن الواضح أن مرتكب الكبيرة الذي اختلف الناس حول الحكم عليه «كان المقصود به تحديد الموقف من الأمويين، باعتبارهم مرتكبي الكبائر هم وعمالهم وأنصارهم في حق جماهير المسلمين» وذلك خلافا لما يذهب إليه زهدي جار الله من أن المقصود بهم عامة المسلمين «الذين كثر إقدامهم على ارتكاب الكبائر بسبب اختلاف القادة على الخلافة وما جرّ وراءه من فتن أدّت إلى مصرع عثمان بن عفان يضاف إلى هذا أن المسلمين انتقلوا بعد الفتح من محيط الصحراء الضيق إلى محيط واسع فيه كثير من ضروب اللهو والترف وأسباب الفساد» .
ويرتبط بهذا القول، القول بمسئولية الانسان عن الفعل وقدرته عليه في مواجهة مبدأ «الجبر» الذي رفعه الحزب الأموي، وهو مبدأ أخذه واصل عن أستاذه الحسن الذي أخذه بدوره عن معبد الجهني. ومن المحتمل أن يكون واصل قد
أخذه مباشرة عن غيلان الدمشقي، ذلك أن الحسن بن محمد ابن الحنفية هو «أستاذ غيلان ويميل إلى الإرجاء، ولهذا قالت به الغيلانية من المعتزلة، ويؤكّد هذه العلاقة بين غيلان والمعتزلة احتفاؤهم به في كتبهم ووضعهم إياه في الطبقة الرابعة منهم. والقارئ لقصة اعتراضه على استغلال بني أمية لفقراء المسلمين واعتراضه على ثرائهم الفاحش، ثم قتلهم إياه على هذا الموقف. القارئ لذلك في كتابات المعتزلة يدرك مكانته عندهم حتى أنهم حوّلوا عملية صلبه في عهد هشام بن عبد الملك إلى مظاهرة سياسية تجعله في كتبهم بطلا يبكيه الناس، وتحفّ به أرواح الشهداء