فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 269

ويرتبط بهذا القول، القول بمسئولية الانسان عن الفعل وقدرته عليه في مواجهة مبدأ «الجبر» الذي رفعه الحزب الأموي، وهو مبدأ أخذه واصل عن أستاذه الحسن الذي أخذه بدوره عن معبد الجهني. ومن المحتمل أن يكون واصل قد

أخذه مباشرة عن غيلان الدمشقي، ذلك أن الحسن بن محمد ابن الحنفية هو «أستاذ غيلان ويميل إلى الإرجاء، ولهذا قالت به الغيلانية من المعتزلة، ويؤكّد هذه العلاقة بين غيلان والمعتزلة احتفاؤهم به في كتبهم ووضعهم إياه في الطبقة الرابعة منهم. والقارئ لقصة اعتراضه على استغلال بني أمية لفقراء المسلمين واعتراضه على ثرائهم الفاحش، ثم قتلهم إياه على هذا الموقف. القارئ لذلك في كتابات المعتزلة يدرك مكانته عندهم حتى أنهم حوّلوا عملية صلبه في عهد هشام بن عبد الملك إلى مظاهرة سياسية تجعله في كتبهم بطلا يبكيه الناس، وتحفّ به أرواح الشهداء

وتؤدّي هذه الأفكار بالضرورة إلى تأكيد فكرة الثواب والعقاب، فمسئولية الانسان عن فعله وقدرته عليه، تجعل مرتكب الكبيرة مسئولا عن كبيرته ومحاسبا عليها، إذ لا يمكن أن يتساوى المطيع والعاصي وإلّا أدّى ذلك إلى نفي صفة العدل عن الله. ولتأكيد هذه الصفة كان لا بدّ من القول بأن الله لا بدّ أن يحقق وعده للمؤمن ووعيده للكافر. وفي هذا المبدأ «الوعد والوعيد» يتفق المعتزلة مع الخوارج بكل اتجاهاتهم ما عدا مرجئتهم، ويختلفون مع المرجئة بكل اتجاهاتهم.

أمّا المبدأ الرابع الذي يرتبط بالعدل فهو «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وهو مبدأ لا يختلف عليه أحد من المسلمين، شيعة أو خوارج أو مرجئة.

ويتركّز الخلاف حول كيفية تحقيق هذا الهدف. فالخوارج رأت ضرورة الخروج والعرض على السيف لمخالفيهم. ورأى زيد بن علي متأثرا بواصل أن القدرة على الخروج شرط للإمامة، وبذلك قرن بين فكر الشيعة وفكر الخوارج. ومن المؤكد أن واصلا له أثره في هذا الربط والتقريب بين المذاهب كما سبقت الاشارة.

وإذن فقد ضمّ مبدأ «العدل» في اهابه كل أفكار المعتزلة، وهي أفكار يغلب عليها إذا استثنينا القول بالمنزلة بين المنزلتين الطابع الانتقائي الذي يؤكّد ما سبق أن افترضناه من أن واصلا كان يسعى لتوحيد الفرق المختلفة لا الخروج عليها. ولا يخرج عن هذا التفسير قول واصل بالتوحيد ونفي مشابهة الله للبشر.

وإذا كانت الاتجاهات التجسيدية والتشبيهية قد تركّزت في فرق الشيعة الغالية التي ترتدّ إلى الأثر اليهودي الذي أدخله عبد الله بن سبأ لتأكيد إمامة علي، فإن مبدأ «التوحيد» ونفي مشابهة الله للبشر يعدّ في هذا الإطار محاولة لتأكيد المفهوم القرآني عن الله، وهو مفهوم يؤكد الهوّة الواسعة بين الله والانسان، وإن استخدم تعبيرات وصفات لها طابعها الانساني بحكم طبيعة اللغة الانسانية. ولقد كان من الطبيعي أن يذهب القائلون بالقدر إلى نفي مشابهة الله للبشر، على أساس أن

النموذج البشري المستقرّ على قمة الهرم الاجتماعي، والمتمثل في الخليفة الاموي كان عنوانا للظلم والشر. وكان القول بعدل الله ورحمته يعني بالضرورة الفصل بين صفاته وبين صفات البشر. وقد سبقت الاشارة إلى تأثر معبد الجهني وغيلان الدمشقي بالاتجاهات اللاهوتية المسيحية، كما سبقت الاشارة إلى نفور جيل الصحابة الأواخر من قولهم بالقدر لما يوهمه من الانتقاص من قدرة الله الشاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت