وإذا كانت الاتجاهات التجسيدية والتشبيهية قد تركّزت في فرق الشيعة الغالية التي ترتدّ إلى الأثر اليهودي الذي أدخله عبد الله بن سبأ لتأكيد إمامة علي، فإن مبدأ «التوحيد» ونفي مشابهة الله للبشر يعدّ في هذا الإطار محاولة لتأكيد المفهوم القرآني عن الله، وهو مفهوم يؤكد الهوّة الواسعة بين الله والانسان، وإن استخدم تعبيرات وصفات لها طابعها الانساني بحكم طبيعة اللغة الانسانية. ولقد كان من الطبيعي أن يذهب القائلون بالقدر إلى نفي مشابهة الله للبشر، على أساس أن
النموذج البشري المستقرّ على قمة الهرم الاجتماعي، والمتمثل في الخليفة الاموي كان عنوانا للظلم والشر. وكان القول بعدل الله ورحمته يعني بالضرورة الفصل بين صفاته وبين صفات البشر. وقد سبقت الاشارة إلى تأثر معبد الجهني وغيلان الدمشقي بالاتجاهات اللاهوتية المسيحية، كما سبقت الاشارة إلى نفور جيل الصحابة الأواخر من قولهم بالقدر لما يوهمه من الانتقاص من قدرة الله الشاملة.
وإذا كان الحسن البصري قد استطاع أن يعدّل صياغة مبدأ القدر لكي يجعله مناسبا لروح التسليم المطلق بقدرة الله وإرادته الشاملة، فمن الطبيعي أن يفتح هذا التعديل الباب لتأثرات أخرى مما كان شائعا في دمشق من أقوال يحيى الدمشقي في المسائل الدينية التي كان يعالجها عن صفات الله في الكتاب المقدس وضرورة تأويلها بما يتفق مع التوحيد السليم الذي ينفي مشابهة الله للبشر
ولقد استعرضنا فيما سبق قول جهم بن صفوان في صفات الله، وحاولنا تفسير جمعه بين القول بنفي الصفات وبين القول بالجبر. ومن المؤكد أن واصل ابن عطاء قد عرف أفكار جهم وتأثر بها، بل تنسب كتب المعتزلة لواصل أنه علّم جهما كيف يردّ على السمنية ويدلل على وجود الله. ولكنها من جانب آخر تجعل من واصل خصما لجهم يرسل إليه حفص بن سالم يناظره ويقطعه في ترمذ، حتى «رجع إلى قول الحق، فلمّا عاد حفص إلى البصرة رجع جهم إلى قول الباطل» والروايتان ليستا متعارضتين على أي حال، فواصل يتفق مع جهم في مبدأ التوحيد ونفي مشابهة الله للبشر، ويختلفان حول «القدر» ، فجهم جبري ينفي قدرة الانسان ليثبت تفرّد الله بصفة «القدرة» وحده كما سبقت الاشارة، بينما واصل قدري على مذهب الحسن ومعبد وغيلان. ومعنى ذلك أن المناظرة التي دارت بين حفص وجهم كانت حول القدر. ومن المؤسف أن المصادر لا تدلنا كيف استطاع واصل أن يحلّ المأزق الذي لم يستطع جهم أن يحلّه والذي أوقعه في مقولة «الجبر» . ومن المحتمل أن واصلا لم يواجه هذا المأزق أصلا لأن الحسن أثبت قدرة العبد على المعصية حين قال «كل شيء بقضاء وقدر إلّا المعاصي» ، وهو القول الذي خفف به من قول معبد وغيلان حتى صار مقبولا في الأوساط المؤمنة.
غير أن البعد السياسي الواضح لنشأة الاعتزال يمكن أن يفسّر لنا ما يرويه الشهرستاني من أن «القول بنفي صفات الباري تعالى، من العلم والقدرة، والإرادة والحياة. وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة. وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين. قال ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين» ومعنى ذلك أن قضية «التوحيد» ونفي
مشابهة الله للبشر لم تكن قضية ملحة، على عكس قضية العدل بكل تفريعاتها التي ارتبطت بظروف الخلافات السياسية، ومن ثمّ ارتبطت باهداف اجتماعية وعملية. وعلينا أن نلاحظ أن نفي إلهين قديمين فكرة قرآنية أصلا لا تحتاج لتأصيل فلسفي، إلى جانب أنها تتضمن ردّا على فكر الشيعة الغالية في تأليه علي ورجعته، وهي فكرة أدّت إلى السلبية الكاملة لهذا القطاع من الشيعة، حيث أنهم رفضوا الخروج إلّا مع إمامهم المهدي المنتظر الذي اختلفوا في تحديده وتعيينه. وكان من آثار فكرة المهدي الذي يحمل جانبا إلهيا الغرق في الفكر الغنوصي الإشراقي الذي يتناقض بطبيعته مع الفعّالية الانسانية التي سعى المعتزلة لتأكيدها والدفاع عنها.