فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 269

يعدّ كتاب «العقل» للحارث المحاسبي (ت 243هـ) أول مؤلّف فيما نعلم يتناول تعريف العقل ويعين حدود نشاطه. ويعدّ الحارث المحاسبي نفسه أول من تكلم في اثبات الصفات وإليه ينسب أكثر متكلمي الصفاتية وهو ينتسب إلى المدرسة الكلابية التي تزعمها عبد الله الكلابي (ت 240هـ) والتي يعدها الأشاعرة أساس مدرستهم «وعلى كتب الحارث بن أسد في الكلام والفقه والحديث معول متكلمي أصحابنا وفقهائهم وصوفيتهم» ويؤمن رجال هذه المدرسة «أنه لا خالق إلّا الله، وأن سيئات العباد يخلقها الله، وأن أعمال العباد يخلقها الله عز وجل، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئا» . ولقد حاول الأشاعرة ورائدهم تربّى في أحضان المعتزلة التخفيف من هذه الصياغة الجبرية لمبدأ التوحيد، فذهبوا إلى أن الفعل الانساني مخلوق لله ويكتسب من جهة العبد

بالقدرة الحادثة التي يخلقها الله فيه مقارنة للفعل «فهي منه خلق وللعباد كسب» .

في اطار هذه النظرة للقدرة الانسانية، وهي نظرة تظلّ رغم مقولة الكسب الأشعرية أقرب إلى الجبر منها إلى الحرية، يصبح مفهوم العقل أنه «غريزة جعلها الله في الممتحنين من عباده، أقام به على البالغين للحلم الحجة» وهو «غريزة يولد العبد بها ثم يزيد فيه معنى بعد معنى بالمعرفة بالأسباب الدالّة على المعقول» . والتفرقة بين الغريزة التي يولد العبد بها، وبين المعرفة التي تسبب زيادة العقل تفترض بالضرورة أن العقل الذي هو الغريزة أساس ووسيلة للمعرفة. والمعرفة نفسها تنشأ عن استخدام العقل وذلك عن طريق النظر في الأدلّة. ومعنى ذلك أن ثمّ ثلاث مراحل للمعرفة الكاملة: المرحلة الأولى هي الغريزة الفطرية التي «وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه لم يطّلع عليها العباد بعضهم من بعض ولا اطّلعوا عليها من أنفسهم بروية، ولا بحس ولا ذوق، ولا طعم. وإنما عرّفهم الله إياها بالعقل منه» أي أنها غريزة لا يمكن التعرّف عليها إلّا بالعقل نفسه، فهي غريزة غير مرئية أو محسوسة أو ملموسة. أمّا المرحلة الثانية فهي مرحلة الاستدلال والنظر. ويقسم الحارث المحاسبي الأدلّة إلى نوعين «عيان ظاهر، أو خبر قاهر. والعقل مضمّن بالدليل، والدليل مضمّن بالعقل.

والعقل هو المستدلّ. والعيان والخبر هما علّة الاستدلال وأصله. ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، وكون الاستدلال مع عدم الدليل. فالعيان شاهد يدلّ على الغيب. والخبر يدلّ على صدق، فمن تناول الفرع قبل احكام الأصل سفّه».

والفرع هنا هو الاستدلال، والأصل هو الأدلة. وتقسيم الأدلة إلى هذين النوعين، العيان والخبر، واعتبار العقل هو المستدلّ يعبّر عن ايمان بفاعلية العقل وقدرته على الوصول إلى المعرفة عن طريق النظر في الأدلّة. غير أننا يجب أن لا ننسى أن العقل غريزة من خلق الله، وكذلك علينا أن لا ننسى أن الأدلّة هي التي أقامها الله أمام أعين المكلفين لينظروا فيها ويستدلوا، فالعيان هو الأدلّة المادية القائمة في العالم والتي تدلّ على احكام الصنعة ووجود الخالق والمبدع والمخترع.

والخبر على مستوى المعرفة الدينية هو خطاب الله للبشر على ألسنة رسله.

والمرحلة الثالثة بعد مرحلة الاستدلال والنظر هي مرحلة المعرفة أو كمال العقل. ويتفاوت البشر في هذه المرحلة، بناء على تفاوتهم في القدرة على النظر والاستدلال. وفي هذا الصدد يقسم الحارث المحاسبي الناس على أربع فرق «فرقة عقلت عن الله تعالى عظم قدره وقدرته وما وعد وتوعد، فأطاعت وخشعت وفرقة

عقلت البيان ثم جحدت كبرا وعنادا لطلب الدنيا». «وفرقة طغت، وأعجبت، وقلّدت، فعميت عن الحق أن تتبينه ثم تقربه، ثم تجحده كبرا وطلب دنيا بعد عقلها للبيان فظنت أنها على حق ودين وهي على باطل وشر وضلال. وفرقة رابعة عقلت قدر الله عز وجل في تدبيره وتفرّده بالصنع، وعرفت قدر الايمان في النجاة بالتمسك به، وقدر العقاب في ضرره في مجانبة الايمان، فلم يجحدوا كبرا ولا أنفة ولا طلب دنيا لعقلها أن عاجل الدنيا يفنى، وعذاب الآخرة لا يفنى. فأقرّت وآمنت، ولم تعقل عظيم قدر الله في هيبته، وجلاله، وعظيم قدر ثوابه وعقابه في اتيان معاصيه، والقيام بفرائضه، فعصت، وضيّعت، وغفلت، ونسيت، إلّا أنها علمت عظيم قدر الايمان في النجاة، وعظيم ضرر الكفر، قد عقلته عن الله تعالى فهي قائمة به، دائمة عليه» . ورغم أن الفارق بين هذه الفرق الأربع يكمن في السلوك العملي المترتب على المعرفة، فإن الحارث يعتبره فارقا في الفهم والمعرفة والعقل. ولا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد أن الحارث صوفي يعطي للعمل والسلوك الديني والمجاهدة الروحية دورا خطيرا في الحكم على البشر، ومن ثمّ لا يفصل بين المعرفة والسلوك العملي، ويعتبر التهاون في العمل نقصا في المعرفة الحقّة كما يفهمها المتصوفة. ويكاد الحارث يقترب مما قاله الجاحظ من أن المعرفة حاصلة لكل البشر لولا أنهم جحدوا وعاندوا طلبا للدنيا، أو تقليدا وجريا وراء ما ألفوه. والفارق بينه وبين الجاحظ أنه يرى أن الله «قد يخصّ بالتنبيه والتوفيق من يشاء من عباده، ويختصّ بجواره من أحبّ من خلقه» وبالتالي يردّ التهاون في العمل والكفر وكل معاصي الانسان إلى إرادة الله الشاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت