فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 269

والمرحلة الثالثة بعد مرحلة الاستدلال والنظر هي مرحلة المعرفة أو كمال العقل. ويتفاوت البشر في هذه المرحلة، بناء على تفاوتهم في القدرة على النظر والاستدلال. وفي هذا الصدد يقسم الحارث المحاسبي الناس على أربع فرق «فرقة عقلت عن الله تعالى عظم قدره وقدرته وما وعد وتوعد، فأطاعت وخشعت وفرقة

عقلت البيان ثم جحدت كبرا وعنادا لطلب الدنيا». «وفرقة طغت، وأعجبت، وقلّدت، فعميت عن الحق أن تتبينه ثم تقربه، ثم تجحده كبرا وطلب دنيا بعد عقلها للبيان فظنت أنها على حق ودين وهي على باطل وشر وضلال. وفرقة رابعة عقلت قدر الله عز وجل في تدبيره وتفرّده بالصنع، وعرفت قدر الايمان في النجاة بالتمسك به، وقدر العقاب في ضرره في مجانبة الايمان، فلم يجحدوا كبرا ولا أنفة ولا طلب دنيا لعقلها أن عاجل الدنيا يفنى، وعذاب الآخرة لا يفنى. فأقرّت وآمنت، ولم تعقل عظيم قدر الله في هيبته، وجلاله، وعظيم قدر ثوابه وعقابه في اتيان معاصيه، والقيام بفرائضه، فعصت، وضيّعت، وغفلت، ونسيت، إلّا أنها علمت عظيم قدر الايمان في النجاة، وعظيم ضرر الكفر، قد عقلته عن الله تعالى فهي قائمة به، دائمة عليه» . ورغم أن الفارق بين هذه الفرق الأربع يكمن في السلوك العملي المترتب على المعرفة، فإن الحارث يعتبره فارقا في الفهم والمعرفة والعقل. ولا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد أن الحارث صوفي يعطي للعمل والسلوك الديني والمجاهدة الروحية دورا خطيرا في الحكم على البشر، ومن ثمّ لا يفصل بين المعرفة والسلوك العملي، ويعتبر التهاون في العمل نقصا في المعرفة الحقّة كما يفهمها المتصوفة. ويكاد الحارث يقترب مما قاله الجاحظ من أن المعرفة حاصلة لكل البشر لولا أنهم جحدوا وعاندوا طلبا للدنيا، أو تقليدا وجريا وراء ما ألفوه. والفارق بينه وبين الجاحظ أنه يرى أن الله «قد يخصّ بالتنبيه والتوفيق من يشاء من عباده، ويختصّ بجواره من أحبّ من خلقه» وبالتالي يردّ التهاون في العمل والكفر وكل معاصي الانسان إلى إرادة الله الشاملة.

يعدّ الباقلاني (ت 403هـ) أول متكلم أفرد في مؤلفاته مقدمات أسهب فيها في الحديث عن المعرفة ووسائلها وشروطها. وإذا كان الباقلاني يعدّ من مؤصلي الفكر الأشعري، فإنه ليس مجرد مواصل لحمل تراث الأشاعرة المتقدمين عليه، بل قد تمّ على يديه توضيح بعض النقط وتحديد بعض المفهومات مما أدّى إلى تعديل مذهب الأشعري من بعض الوجوه وإلى تقريبه من رأي المعتزلة». والنقطة التي تهمنا في هذا المجال هي تعديله لمذهب الأشعري في الكسب والقدرة الحادثة للعبد. فقد ذهب الأشعري إلى أن الفعل مكتسب للعبد بالقدرة الحادثة التي يخلقها الله فيه مقارنة للفعل، ولم يجعل لهذه القدرة الحادثة أي فعالية في الفعل نفسه «غير أن الله تعالى أجرى سنته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة، أو تحتها، أو معها، الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرّد له، ويسمى هذا الفعل كسبا، فيكون خلقا من الله تعالى ابداعا واحداثا، وكسبا من العبد: حصولا تحت القدرة الحادثة» .

وقد ذهب الباقلاني متأثرا في ذلك بالمعتزلة إلى اثبات تأثير للقدرة الحادثة في

حال الفعل، بمعنى أن الحركة التي يأتيها الانسان هي فعل لله يكتسبه العبد بالقدرة الحادثة، ولكن هذه القدرة الحادثة هي التي تؤثر في الحال الحركة فتجعلها قياما أو قعودا أو صلاة أو سجودا. وبكلمات أخرى فإن تحويل الحركة المخلوقة لله والمكتسبة من العبد إلى طاعة أو إلى معصية، والحركة تحتمل الأمرين، أمر من فعل العبد بهذه القدرة الحادثة «وتلك الجهة هي المتعينة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب. فإن الوجود من حيث هو وجود لا يستحق عليه ثواب وعقاب. خصوصا على أصل المعتزلة، فإن جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء. والحسن والقبح صفتان ذاتيتان وراء الوجود. فالموجود من حيث هو موجود ليس بحسن ولا قبيح» وهكذا انتهى الباقلاني إلى تحميل الانسان مسئولية قبح الفعل وحسنه، ونفى ذلك عن الله نفيا تاما، وبذلك نجح في سد الثغرة التي كانت قائمة بين «العدل» و «التوحيد» وأخضع كل ما يحدث في العالم لقدرة الله وإرادته الشاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت