وقد ذهب الباقلاني متأثرا في ذلك بالمعتزلة إلى اثبات تأثير للقدرة الحادثة في
حال الفعل، بمعنى أن الحركة التي يأتيها الانسان هي فعل لله يكتسبه العبد بالقدرة الحادثة، ولكن هذه القدرة الحادثة هي التي تؤثر في الحال الحركة فتجعلها قياما أو قعودا أو صلاة أو سجودا. وبكلمات أخرى فإن تحويل الحركة المخلوقة لله والمكتسبة من العبد إلى طاعة أو إلى معصية، والحركة تحتمل الأمرين، أمر من فعل العبد بهذه القدرة الحادثة «وتلك الجهة هي المتعينة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب. فإن الوجود من حيث هو وجود لا يستحق عليه ثواب وعقاب. خصوصا على أصل المعتزلة، فإن جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء. والحسن والقبح صفتان ذاتيتان وراء الوجود. فالموجود من حيث هو موجود ليس بحسن ولا قبيح» وهكذا انتهى الباقلاني إلى تحميل الانسان مسئولية قبح الفعل وحسنه، ونفى ذلك عن الله نفيا تاما، وبذلك نجح في سد الثغرة التي كانت قائمة بين «العدل» و «التوحيد» وأخضع كل ما يحدث في العالم لقدرة الله وإرادته الشاملة.
وإذا كانت مقدمات الباقلاني عن المعرفة في كتبه تعدّ أول مقدمات وافية تصلنا عن هذا الموضوع، فمن المؤكد أنه تأثر فيها خطى المعتزلة وآراءهم، تلك الآراء التي لم تصلنا متكاملة، وإن بقيت منها شذرات حاولنا قدر الامكان أن نتعرّف عليها فيما سبق.
يعرّف الباقلاني العلم بأنه «معرفة المعلوم على ما هو به» ويقسمه إلى نوعين «فعلم قديم، وهو علم الله، عز وجل، وليس بعلم ضرورة ولا استدلال، وعلم محدث، وهو كل ما يعلم به المخلوقون من الملائكة والجن والأنس وغيرهم من الحيوان» . وينقسم علم المخلوقين إلى قسمين «فقسم منها علم ضرورة، والثاني منها علم نظر واستدلال» .
أمّا العلم الضروري فهو «علم يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الخروج عنه ولا الانفكاك منه، ولا يتهيأ له الشك في متعلقه ولا الارتياب به» وهذه العلوم الضرورية «تقع للخلق من ستة طرق. فمنها درك الحواس الخمس وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس. وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم، ولون وكون، وكلام، وصوت، ورائحة، وطعم، وحرارة، وبرودة، ولين، وخشونة، وصلابة، ورخاوة، فالعلم به يقع ضرورة. والطريق السادس هو العلم المبتدأ في النفس لا عن درك ببعض الحواس وذلك نحو علم الانسان بوجود نفسه وما يحدث فيها وينطوي عليها من اللذّة والألم، والغمّ والفرح، والقدرة، والعجز، والصحة، والسقم. والعلم
بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق وكل معلوم بأوائل العقول». ومن الواضح أن هذا العلم الضروري هو علم المحسوسات أو الإدراك الناتج عن استخدام الحواس الخمسة. والمعرفة الحسية عند الباقلاني معرفة ضرورية لا يمكن الشك فيها أو الارتياب بمتعلقها. ويضاف إلى هذه الحواس الخمسة ما يطلق عليه الباقلاني «أوائل العقول» التي «تخترع في النفس ابتداء من غير أن تكون موجودة ببعض هذه الحواس» . ويبدو أن الباقلاني بذلك يساوي بين المعرفة الحسية والمعرفة البديهية أوائل العقول ولا يعلّق ثانيتهما بأولاهما. بل هو يؤكّد هذا الانفصال الكامل بينهما بقوله «فكل هذه العلوم الواقعة لنا بالمعلومات التي وصفناها توجد مخترعة في النفس، وجدت هذه الحواس وما يوجد بها من الإدراكات أو لم توجد» وليس من المستبعد أن تكون هذه العلوم الضرورية بجانبيها الحسي والبديهي من خلق الله، ولا قدرة للانسان عليها أصلا، فهي مما يجده الانسان في نفسه دون إرادة لها أو قصد إليها» وحقيقة وصفه بذلك في اللغة أنه مما أكره العالم به على وجوده، لأن الاضطرار في اللغة هو الحمل والاكراه، وهو الالجاء».