فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 269

أمّا العلم الضروري فهو «علم يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الخروج عنه ولا الانفكاك منه، ولا يتهيأ له الشك في متعلقه ولا الارتياب به» وهذه العلوم الضرورية «تقع للخلق من ستة طرق. فمنها درك الحواس الخمس وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس. وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم، ولون وكون، وكلام، وصوت، ورائحة، وطعم، وحرارة، وبرودة، ولين، وخشونة، وصلابة، ورخاوة، فالعلم به يقع ضرورة. والطريق السادس هو العلم المبتدأ في النفس لا عن درك ببعض الحواس وذلك نحو علم الانسان بوجود نفسه وما يحدث فيها وينطوي عليها من اللذّة والألم، والغمّ والفرح، والقدرة، والعجز، والصحة، والسقم. والعلم

بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق وكل معلوم بأوائل العقول». ومن الواضح أن هذا العلم الضروري هو علم المحسوسات أو الإدراك الناتج عن استخدام الحواس الخمسة. والمعرفة الحسية عند الباقلاني معرفة ضرورية لا يمكن الشك فيها أو الارتياب بمتعلقها. ويضاف إلى هذه الحواس الخمسة ما يطلق عليه الباقلاني «أوائل العقول» التي «تخترع في النفس ابتداء من غير أن تكون موجودة ببعض هذه الحواس» . ويبدو أن الباقلاني بذلك يساوي بين المعرفة الحسية والمعرفة البديهية أوائل العقول ولا يعلّق ثانيتهما بأولاهما. بل هو يؤكّد هذا الانفصال الكامل بينهما بقوله «فكل هذه العلوم الواقعة لنا بالمعلومات التي وصفناها توجد مخترعة في النفس، وجدت هذه الحواس وما يوجد بها من الإدراكات أو لم توجد» وليس من المستبعد أن تكون هذه العلوم الضرورية بجانبيها الحسي والبديهي من خلق الله، ولا قدرة للانسان عليها أصلا، فهي مما يجده الانسان في نفسه دون إرادة لها أو قصد إليها» وحقيقة وصفه بذلك في اللغة أنه مما أكره العالم به على وجوده، لأن الاضطرار في اللغة هو الحمل والاكراه، وهو الالجاء».

وعلى العكس من ذلك، العلم النظري فهو «علم يقع عقيب استدلال وتفكّر في حال المنظور فيه أو تذكر لما نظر فيه، فكل ما احتاج من العلوم إلى تقدم الفكر والرويّة وتأمل حال المعلوم فهو الموصوف بقولنا علم نظري. وقد يجعل مكان هذه الألفاظ أن نقول: العلم النظري هو ما بني على علم الحس والضرورة، أو على ما بني العلم بصحته عليهما. ومعنى قولنا في هذا العلم أنه كسبي أنه مما وجد بالعالم، وله عليه قدرة محدثة» فالعلم النظري بذلك مباين للعلم الضروري من جميع الوجوه، فهو أولا علم استدلالي يقع بعد نظر وتفكّر في حال المنظور فيه. وهو من هذه الزاوية مباين للعلم الضروري لأن «من حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه» . والعلم النظري ثانيا مباين للعلم الضروري في أنه مما يقدر عليه العالم بالقدرة الحادثة، فهو علم من فعل العبد ويقع تحت قدرته، ولذلك يسمى علما كسبيا. والعلم النظري ثالثا ليس علما مبتدأ كالعلم الضروري، بل هو علم يبنى على علم الحس والضرورة، بمعنى أنه لا يمكن أن يوجد أو يتوصّل إليه إلّا بعد وجود العلم الضروري بجانبيه الحسي والبديهي اللذين يعدّان مقدمات ضرورية له.

وثمّ مرحلة وسطى بين العلم الضروري والعلم النظري لا بدّ من اجتيازها، ألا وهي مرحلة النظر والاستدلال. ويعرّف الباقلاني الاستدلال بأنه «هو نظر

القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة والحس» ويعرّف الدليل بأنه «هو ما أمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطرار. وهو على ثلاثة أضرب: عقلي له تعلق بمدلوله نحو دلالة الفعل على فاعله وما يجب كونه عليه من صفاته نحو حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته. وسمعي شرعي دال من طريق النطق بعد المواضعة ومن جهة معنى مستخرج من النطق. ولغوي دال من جهة المواطأة والمواضعة على معاني الكلام ودلالات الأسماء والصفات وسائر الألفاظ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت