وثمّ مرحلة وسطى بين العلم الضروري والعلم النظري لا بدّ من اجتيازها، ألا وهي مرحلة النظر والاستدلال. ويعرّف الباقلاني الاستدلال بأنه «هو نظر
القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة والحس» ويعرّف الدليل بأنه «هو ما أمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطرار. وهو على ثلاثة أضرب: عقلي له تعلق بمدلوله نحو دلالة الفعل على فاعله وما يجب كونه عليه من صفاته نحو حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته. وسمعي شرعي دال من طريق النطق بعد المواضعة ومن جهة معنى مستخرج من النطق. ولغوي دال من جهة المواطأة والمواضعة على معاني الكلام ودلالات الأسماء والصفات وسائر الألفاظ» .
والذي يهمنا الإشارة إليه هنا هو وضع اللغة بين أنواع الدلالة، واعتبار وجه دلالتها هو المواطأة والمواضعة على معاني الكلام. وتفصيل ذلك كما يرى الباقلاني أنه «قد يستدل بتوقيف أهل اللغة لنا على أنه لا نار إلّا حارة ملتهبة، ولا انسان إلّا ما كانت له هذه البنية على أن كل من خبّرنا من الصادقين بأنه رأى نارا أو انسانا، وهو من أهل لغتنا، يقصد إلى إفهامنا أنه ما شاهد إلّا مثل ما سمي بحضرتنا نارا أو انسانا، لا نحمل بعض ذلك على بعض، لكن بموجب الاسم، وموضوع اللغة، ووجوب استعمال الكلام على ما استعملوه ووضعه حيث وضعوه» .
ومن حقنا أن نتساءل والحالة هذه عن الفارق بين الدلالة اللغوية والدلالة السمعية الشرعية، إذا كان كلاهما يدلّ من جهة المواطأة والمواضعة؟
وبالرغم من أن الباقلاني يعتبر الدلالة السمعية «فرعا لأدلّة العقول وقضاياها» فإنه من جانب آخر يرى أنه «قد يستدلّ أيضا على بعض القضايا العقلية وعلى الأحكام الشرعية بالكتاب، والسنّة، وإجماع الأمة والقياس الشرعي المنتزع من الأصول المنطوق بها» وهو بذلك يختلف كأشعري عن المعتزلة الذين يفصلون بحسم بين الدلالة العقلية، والدلالة الشرعية، ويعتبرون النوع الأول أصلا للثاني كما سنتعرض لذلك فيما بعد. والباقلاني خلافا للقاضي عبد الجبار مثلا يسلك في تقرير قضايا مؤلفاته مسلك الأشاعرة، الذين يبدءون بالأدلة الشرعية من آيات القرآن والأحاديث النبوية، والأخبار والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، ثم ينتهي بالأدلّة العقلية التي تؤكّد هذه القضايا. وهذا المسلك يتسق مع إعلاء الأشاعرة من شأن الوحي وتقديمهم إياه على العقل. ويقرر الباقلاني هذا المبدأ بقوله «إن طرق البيان عن الأدلّة التي يدرك بها الحق والباطل خمسة أوجه:
1 -كتاب الله عز وجل و 2سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم و 3إجماع الأمة و 4ما استخرج من هذه النصوص وبني عليها بطريق القياس والاجتهاد و 5حجج العقول».