وإذا كان الباقلاني لم يتعرّض لتحديد ماهية العقل ومراحله المختلفة، فإن تقسيمه للعلوم إلى ضرورية ونظرية ينبئ عن تصور ما لطبيعة النشاط العقلي وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة. ومن المؤكد أن الباقلاني وغيره من متكلمي القرن الرابع لم يكونوا بعيدين عن المباحث الفلسفية التي تأثرت خطى أرسطو في التفرقة بين مراحل النشاط العقلي في كتابه «في النفس» ابتداء من الإدراك الحسي وانتهاء إلى العقل الفعّال مرورا بالحس المشترك. غير أن المتكلمين ركّزوا نشاطهم العلمي في البحث عن مظاهر النشاط العقلي دون البحث في ماهيته. وإذا كان الفلاسفة قد تأثّروا خطى الاسكندر الأفروديسي أحد شرّاح أرسطو في التمييز بين ثلاثة أنواع من العقول هي «العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل الفعّال» فإن العقل الهيولاني ليس إلّا الغريزة التي وهبها الله للممتحنين كما أشار إليها الحارث المحاسبي، وبعبارة الخوارزمي «هو القوة في الانسان وهي في النفس بمنزلة القوة الناظرة في العين» . أو «هو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، وهو قوة محضة خالية عن الفعل كما للأطفال وإنما نسب إلى الهيولى الأولى الخالية في حد ذاتها عن الصور كلها» . وأمّا العقل بالملكة فهو يساوي عند الباقلاني ما أطلق عليه العلم الضروري، و «هو علم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات» . وأخيرا فإن العقل الفعّال أو المستفاد هو ما أطلق عليه الباقلاني العلم النظري و «هو أن تصير النظريات مخزونة عند قوة العاقلة بتكرار الاكتساب، بحيث يحصل لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشم كسب جديد» ومن الملاحظ أن الباقلاني لم يشر إلى «العقل الهيولاني» أو إلى الغريزة التي تعدّ مقدمة لتلقي العلوم الضرورية بجانبيها الحسي والبديهي، واكتفى بالحديث عن أقسام العلوم وقسّمها إلى علم إلهي قديم ليس بعلم ضرورة أو استدلال، وعلم المخلوقين المحدث بقسميه الضروري والنظري. وهذه القسمة تكشف عن المنطلق الذي حدد للمتكلمين دروبهم الخاصة في البحث في قضية العقل والمعرفة، فلم تنفصل هذه القضية كما سبقت الإشارة عن قضايا التوحيد والعدل. وهي مرتبطة عند الباقلاني بقضية العلم الالهي والتفرقة بينه وبين العلم البشري. ويبدو تأثر الباقلاني في هذه المشكلة واضحا بأبي هاشم الجبّائي (ت 330هـ) الذي ذهب إلى أن الله «عالم لذاته، بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا، وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها» أي أنه يثبت العلم صفة وراء الذات وليست منفصلة عنها أو مغايرة لها. وهو في هذه النقطة يختلف عن أبي الهذيل العلاف الذي اعتبر أن «علمه ذاته» ولم يثبت العلم صفة أو حالا وراء الذات. يقول الباقلاني متفقا مع أبي هاشم «الحال الذي
أثبته أبو هاشم هو الذي نسميه صفة خصوصا إذا أثبت حالة أوجبت تلك الصفات».