والفارق الأساسي بينهما يكمن في دور العقل وهل هو سابق على الشرع أم تابع له، ولقد ذهب الأشاعرة إلى أسبقية الشرع على العقل كما رأينا عند الباقلاني، وذلك على عكس المعتزلة الذين اعطوا للعقل دورا أوليا وسابقا على الشرع، وجعلوا الدليل السمعي تابعا للدليل العقلي ومترتبا عليه. أي أنهم جعلوا الدليل العقلي أصلا، والدليل الشرعي فرعا على الدليل العقلي، حتى ذهب القاضي إلى أن «كلامه تعالى لا يدلّ على العقليات، من التوحيد والعدل، لأن العلم بصحة كونه دلالة، مفتقر إلى ما تقدم بذلك، فلو دلّ عليه لوجب كونه دالّا على أصله، ومن حق الفرع أن لا يدلّ على الأصل، لأن ذلك يتناقض» ويرتدّ هذا الفصل بين الدليل العقلي والدليل الشرعي، وتقرير أسبقية الأول على الثاني إلى الجبائيين أبي علي وأبي هاشم اللذين اتفقا فيما يروي الشهرستاني «على أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية، وأثبتا شريعة عقلية وردّا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل، ولا يهتدي
إليها فكر» بمعنى أن العقل يستطيع أن يصل إلى كليات الأحكام المتصلة بالله وصفاته من التوحيد والعدل ووجوب شكره، كما أنه يمكن أن يعرف الحسن والقبح على الجملة. وتختصّ الشريعة بأنها تكشف له عن الطرائق التي يستطيع عن طريقها أن يؤدي هذه الواجبات العقلية. تختصّ الشريعة بأن تعرّف العقل مقادير الطاعات كالصلاة والصوم والزكاة ومواقيتها، وهي أمور لا يستطيع العقل أن يعرفها، وإن عرف على الجملة دون التفصيل وجوب رد الوديعة وشكر المنعم.
غير أن القول بأسبقية الدليل العقلي على الدليل الشرعي، واعتبار الأول أصلا، والثاني فرعا، لا يعني وجود التعارض بينهما، فهما متفقان ومتطابقان إذ «ليس في القرآن إلّا ما يوافق طريقة العقل، ولو جعل ذلك دلالة على أنه من عند الله، من حيث لا يوجد في أدلّته إلّا ما يسلم على طريقة العقول ويوافقها، إمّا على جهة الحقيقة، أو على المجاز لكان أقرب» غاية الأمر أن المعتزلة لأسباب كثيرة بيّناها في أول هذا الفصل حاولوا الاحتكام إلى العقل وحده واعتبروه أساسا لفهم الشريعة، واعتبروا الشريعة مؤكّدة لما في العقول ومتفقة معه، دون أن تكون هي وحدها الدليل على وحدانية الله وعدله وسائر الأحكام العقلية «إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكّدا لما في العقول. فأمّا ان يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال» .
ولكي يؤكد المعتزلة هذا الاتفاق بين العقل والنقل، كان عليهم تحديد ماهية العقل والتعرّف على طبيعة الوسائل التي يمكنه عن طريقها الوصول إلى المعرفة اليقينية، ثم تحديد طبيعة الأفكار التي يستطيع العقل بمفرده الوصول إليها.
وتتحدد ماهية العقل عند المعتزلة بناء على تحديدهم لطبيعة وظيفته وحاجة الانسان الضرورية له. فإذا كان الله قد خلق الانسان لا لعلّة إلّا لنفعه ثم جعل التكليف وسيلته إلى هذا النفع، فمن الطبيعي أن يزوده بكل الوسائل التي تعينه على أداء ما كلّفه به. وكما زوّده بالقدرة التي يستطيع بها مزاولة الفعل أو الامتناع عنه، فقد زوّده أيضا بالقدرة على معرفة ما كلّفه به وتمييزه، وذلك حتى يتأتى منه الفعل على وجه الاختيار الناتج عن العلم بأحواله. وهذا الاختيار القائم على المعرفة والعلم هو مناط الثواب والعقاب والمسئولية. وهكذا يصبح العقل ضرورة من ضرورات التكليف الالهي للبشر، وهو ضرورة بحكم مسئولية الانسان وقدرته على الفعل. «اعلم أن المكلّف كما يحتاج أن يكون ممكنا من احداث الفعل بالقدرة والآلات ليصحّ منه أداء ما كلّف فكذلك يحتاج إلى أن يكون عالما بما كلّف وصفاته، والفصل بينه وبين غيره، ليصحّ أن يقصد إلى إحداثه، وليصحّ أن يعلم
أنه قد أدّى ما كلّف» وهذه المعرفة تحتاج للقوة المميزة بين الأشياء والأفعال.