وتتحدد ماهية العقل عند المعتزلة بناء على تحديدهم لطبيعة وظيفته وحاجة الانسان الضرورية له. فإذا كان الله قد خلق الانسان لا لعلّة إلّا لنفعه ثم جعل التكليف وسيلته إلى هذا النفع، فمن الطبيعي أن يزوده بكل الوسائل التي تعينه على أداء ما كلّفه به. وكما زوّده بالقدرة التي يستطيع بها مزاولة الفعل أو الامتناع عنه، فقد زوّده أيضا بالقدرة على معرفة ما كلّفه به وتمييزه، وذلك حتى يتأتى منه الفعل على وجه الاختيار الناتج عن العلم بأحواله. وهذا الاختيار القائم على المعرفة والعلم هو مناط الثواب والعقاب والمسئولية. وهكذا يصبح العقل ضرورة من ضرورات التكليف الالهي للبشر، وهو ضرورة بحكم مسئولية الانسان وقدرته على الفعل. «اعلم أن المكلّف كما يحتاج أن يكون ممكنا من احداث الفعل بالقدرة والآلات ليصحّ منه أداء ما كلّف فكذلك يحتاج إلى أن يكون عالما بما كلّف وصفاته، والفصل بينه وبين غيره، ليصحّ أن يقصد إلى إحداثه، وليصحّ أن يعلم
أنه قد أدّى ما كلّف» وهذه المعرفة تحتاج للقوة المميزة بين الأشياء والأفعال.
وخلافا لما ذهب إليه العلاف والنظّام من ضرورية هذه المعرفة، التي تردّ الانسان إلى حالة الجبر وتنفي عنه الاختيار، ذهب القاضي عبد الجبار إلى ضرورة أن تكون المعرفة من فعل الانسان. والوسيلة التي يتوصّل بها الانسان إلى المعرفة هي العقل، ومن ثمّ فلا بدّ من أن يزوّد الله الانسان بالعقل ليمكّنه من أداء ما كلّف به على الوجه الذي تتحدد به مسئوليته عن الفعل. «وإن كان العلم بذلك الشيء مما لا يكون إلّا ضروريا فلا بدّ من أن يخلقه تعالى فيه. وإن صحّ كونه مكتسبا حسن من القديم تعالى أن يمكّنه منه ليصحّ أن يعلم ويؤدي ما علمه، على الوجه الذي كلف»
العقل إذن ضروري للمكلّف حتى يستطيع أداء ما كلّفه الله به.
والمعرفة التي يحتاج إليها المكلف تنقسم إلى ضرورية، ومكتسبة. والمعارف الضرورية لا بدّ أن يخلقها الله في العبد، كما أنه يحسن أن يمكّنه من العلوم المكتسبة. ولمّا كانت العلوم الضرورية مقدمة للعلوم المكتسبة وتمهيدا لها، لم يفصل القاضي عبد الجبار بين العلوم الضرورية والعقل. وعرّف العقل بناء على ذلك بأنه «عبارة عن جملة من العلوم مخصوصة، متى حصلت في المكلّف صحّ منه النظر والاستدلال والقيام بأداء ما كلّف» ويرفض القاضي أن يسمي العقل جوهرا أو آلة أو حاسّة أو قدرة إلّا على سبيل التشبيه والتوسع، وذلك لأن الجواهر والآلات والحواس والقدرة مما تقع فيها الزيادة والنقصان». وهذا الحرص على عدم الفصل بين العقل والعلوم الضرورية عند المعتزلة يعبّر عن ايمانهم بتساوي البشر في هذه العلوم الضرورية، أي تساويهم فيما وهبهم الله من عقل. ومن هذه العلوم الضرورية ضرورة العلم بالمدركات، فلا بدّ للانسان «من أن يكون عالما بما يدركه، ويعلم من حاله أنه لو أدركه غيره لعلمه إذا لم يكن هناك لبس» ووجه الضرورة في هذا أن الانسان «لو لم يحصل عالما بالمدرك لم يصح أن يعرف أحوال المدركات، ولما تمّ منه استدلال على اثبات الأعراض وحدوث الأجسام وصفات الفاعل ولا على العدل بأسره. فالحاجة إليه في التكليف ماسّة» والقاضي بذلك يحدد الغاية من التكليف ومن المعرفة معا وهي معرفة الله المكلّف ومعرفة صفاته من التوحيد والعدل للتوصّل من وراء ذلك إلى معرفة التكليف وأدائه.
وبناء على هذه الغاية تتحدد طبيعة العقل، أي العلوم الضرورية التي لا بدّ للمكلّف من معرفتها. وأول هذه العلوم هو العلم بالمدركات. والعلم بالمدركات لا يصحّ أن يختلف عليه اثنان، بل لا بدّ أن يتساوى فيها البشر إذا لم يكن هناك لبس. وهو من هذه الزاوية يعدّ علما ضروريا لا يحتاج لا ثبات، فغاية المستدلّ على
شيء ما أن يصل به إلى مرحلة أن يجعله كالمدرك بالحواس، وبهذا يكون الإدراك أوضح طرق العلم «اعلم أنه لا طريق للعلم بالشيء أوضح من الإدراك. فمتى تناول الإدراك شيئا فقد استغنى في اثباته عن دليل، لأن نهاية ما يبلغه المستدلّ على اثبات الشيء أن يردّه إلى المدرك. فإذا حصل الشيء مدركا فالواجب في اثباته أن يكون أصلا وأن يستغني عن دليل. ولهذه الجملة لم يحتج في اثبات السواد إلى دليل وإن احتجنا إلى ضرب من التأمل في كونه غير المحل» ومعنى ذلك ان المعرفة الإدراكية أو الحسيّة تختلف عن المعرفة الاستدلالية وهي مرحلة النظر في أنها أكثر منها وضوحا وبيانا. ولكن هذه الثقة في الإدراك الحسي قد يعترض عليها معترضون زاعمين أنه «لا حقيقة للأشياء في نفسها وحقيقتها» وأن المدرك هو الذي يحدد حقيقة الشيء حسب ما يعتقده ويدركه، بمعنى أن الأشياء ليس لها وجود مستقل عن مدرك يهبها عن طريق عملية الإدراك وجودها الذي لا ينفصل او يستقلّ عن معتقداته وأفكاره. ويتصدّى القاضي عبد الجبار للفصل بين المدرك والشيء المدرك على أساس أن عملية الإدراك لا دخل لها في تحديد طبيعة الشيء أو تحديد صفاته. وهذا الفصل بين طرفي الإدراك هو ما يثبت عند المعتزلة وجود الواقع الخارجي، ويثبت نتيجة لذلك عملية الإدراك، ومن ثمّ يهبها موضوعيتها. ويلزم القاضي أصحاب هذا الرأي الوقوع في التناقض، على أساس أن «هذا يوجب أن يصحّ منا الجسم والقدرة إذا اعتقدنا ذلك فيهما، بل يوجب أن يكون تعالى موجودا ومختصا بسائر ما هو عليه من جهتنا إذا اعتقدنا كونه كذلك، بل يوجب إذا اعتقد المعتقد، في الشيء، جوهرا وسوادا، أن يحصل بهذه الصفة، وقد بينا فساد ذلك، بل يجب على هذا صحة كون الشيء الواحد بياضا سوادا إذا اعتقد المعتقد أن ذلك فيه، وقديما محدثا، وموجودا معدوما. وقد بيّنا أن العلم باستحالة ذلك ضروري»