وبناء على هذه الغاية تتحدد طبيعة العقل، أي العلوم الضرورية التي لا بدّ للمكلّف من معرفتها. وأول هذه العلوم هو العلم بالمدركات. والعلم بالمدركات لا يصحّ أن يختلف عليه اثنان، بل لا بدّ أن يتساوى فيها البشر إذا لم يكن هناك لبس. وهو من هذه الزاوية يعدّ علما ضروريا لا يحتاج لا ثبات، فغاية المستدلّ على
شيء ما أن يصل به إلى مرحلة أن يجعله كالمدرك بالحواس، وبهذا يكون الإدراك أوضح طرق العلم «اعلم أنه لا طريق للعلم بالشيء أوضح من الإدراك. فمتى تناول الإدراك شيئا فقد استغنى في اثباته عن دليل، لأن نهاية ما يبلغه المستدلّ على اثبات الشيء أن يردّه إلى المدرك. فإذا حصل الشيء مدركا فالواجب في اثباته أن يكون أصلا وأن يستغني عن دليل. ولهذه الجملة لم يحتج في اثبات السواد إلى دليل وإن احتجنا إلى ضرب من التأمل في كونه غير المحل» ومعنى ذلك ان المعرفة الإدراكية أو الحسيّة تختلف عن المعرفة الاستدلالية وهي مرحلة النظر في أنها أكثر منها وضوحا وبيانا. ولكن هذه الثقة في الإدراك الحسي قد يعترض عليها معترضون زاعمين أنه «لا حقيقة للأشياء في نفسها وحقيقتها» وأن المدرك هو الذي يحدد حقيقة الشيء حسب ما يعتقده ويدركه، بمعنى أن الأشياء ليس لها وجود مستقل عن مدرك يهبها عن طريق عملية الإدراك وجودها الذي لا ينفصل او يستقلّ عن معتقداته وأفكاره. ويتصدّى القاضي عبد الجبار للفصل بين المدرك والشيء المدرك على أساس أن عملية الإدراك لا دخل لها في تحديد طبيعة الشيء أو تحديد صفاته. وهذا الفصل بين طرفي الإدراك هو ما يثبت عند المعتزلة وجود الواقع الخارجي، ويثبت نتيجة لذلك عملية الإدراك، ومن ثمّ يهبها موضوعيتها. ويلزم القاضي أصحاب هذا الرأي الوقوع في التناقض، على أساس أن «هذا يوجب أن يصحّ منا الجسم والقدرة إذا اعتقدنا ذلك فيهما، بل يوجب أن يكون تعالى موجودا ومختصا بسائر ما هو عليه من جهتنا إذا اعتقدنا كونه كذلك، بل يوجب إذا اعتقد المعتقد، في الشيء، جوهرا وسوادا، أن يحصل بهذه الصفة، وقد بينا فساد ذلك، بل يجب على هذا صحة كون الشيء الواحد بياضا سوادا إذا اعتقد المعتقد أن ذلك فيه، وقديما محدثا، وموجودا معدوما. وقد بيّنا أن العلم باستحالة ذلك ضروري»
ويزيد القاضي هذه الفكرة وضوحا حين يردّ على من يسميهم «أصحاب التجاهل» الذين يعتمدون في نفي المعرفة الحسية على ما هو مشاهد من خداع الحواس. يقودنا القاضي في ردّه عليهم إلى شروط صحة المعرفة الحسية، أو الإدراك، وهي سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع. يقول «فأمّا تعلقهم بأن المدرك يسكن إلى أن السراب ماء، وأن العسل إذا غلب عليه الصفراء مرّ، كسكونه إلى سائر ما يدركه، ثم ينكشف له خلاف ما اعتقد، فما الذي نؤمنه من مثله في سائر المدركات التي يعلمها، فبعيد. لأن نفسه لا تسكن إلى أن ما رآه ماء وانما تشاهده بصفة الماء لتشبهه به في البياض واللمعان واضطرابه في الموضع الذي أدركه. فما
أدركه صحيح، وإن أخطأ في اعتقاده. وليس كذلك ما يعلمه من كون الماء ماء، عند مشاهدته له»