ويزيد القاضي هذه الفكرة وضوحا حين يردّ على من يسميهم «أصحاب التجاهل» الذين يعتمدون في نفي المعرفة الحسية على ما هو مشاهد من خداع الحواس. يقودنا القاضي في ردّه عليهم إلى شروط صحة المعرفة الحسية، أو الإدراك، وهي سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع. يقول «فأمّا تعلقهم بأن المدرك يسكن إلى أن السراب ماء، وأن العسل إذا غلب عليه الصفراء مرّ، كسكونه إلى سائر ما يدركه، ثم ينكشف له خلاف ما اعتقد، فما الذي نؤمنه من مثله في سائر المدركات التي يعلمها، فبعيد. لأن نفسه لا تسكن إلى أن ما رآه ماء وانما تشاهده بصفة الماء لتشبهه به في البياض واللمعان واضطرابه في الموضع الذي أدركه. فما
أدركه صحيح، وإن أخطأ في اعتقاده. وليس كذلك ما يعلمه من كون الماء ماء، عند مشاهدته له»
وعلى ذلك فالمعرفة الحسية معرفة صحيحة بشرط سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع التي قد تخدع الحواس أو تضللها. وإذا كانت الحاسّة سليمة، والموانع مرتفعة، وجب اثبات ما ندركه ونفي ما لا ندركه «إذا ما كان طريق العلم به الإدراك بالحواس وجب نفيه إذا لم يدرك مع سلامة الحاسة وارتفاع الموانع المعقولة لعدم الطريق الذي به يتوصّل إلى معرفته» هذا الحرص على اثبات الإدراك الحسي، واعتباره علما ضروريا عند كل من الأشاعرة والمعتزلة، يعدّ مسألة هامة وضرورية لا ثبات العالم الخارجي الذي يستدلّ بوجوده على وجود الصانع. غير أن المعرفة الحسية ليست الطريق الوحيد للمعرفة، بل هي أول طريق المعرفة، فالحس «إنما نعبّر به عن أول العلم بالمدركات» .
إذا كانت المعرفة الحسية هي أول العلم بالمدركات، فما هي العلاقة بينها وبين المعرفة العقلية؟ يعرّف القاضي العلم بأنه «المعنى الذي يقتضي سكون نفس العالم إلى ما تناوله» فكل معرفة أدّت إلى سكون النفس إلى ما عليه المعلوم اعتبرت علماء، سواء أكانت علما بالمدركات أم علما ضروريا، أم علما مكتسبا. ومن هذه الزاوية تعدّ هذه العلوم علوما منفصلة لا يقضي صحة أحدها على صحة آخر.
غير أن هذه العلوم من جانب آخر تتصل اتصالا وثيقا، فالعلم بالمدركات الذي هو نتيجة للإدراك الحسي يعدّ مقدمة للعلوم الضرورية. وهذه بدورها تعدّ مقدمة للوصول إلى العلوم المكتسبة عن طريق النظر والاستدلال. وعلى ذلك لا يصحّ القول بأن علوم الحواس قاضية على علوم العقل وحكما على صحته، إلّا على معنى «أنه لولا العلم بما يدرك بالحواس، لما صحّ أن يعلم الانسان سائر الأمور. وإن أرادوا بذلك أن بالإدراك تعلم صحة العلوم العقلية فذلك باطل
ويجب على هذا، أن يكون العقل قاضيا على صحة العلم بالمدركات، لأن به نعلم صحتها» أي أن هذه العلوم ترتبط ببعضها البعض ارتباط العلّة بالنتيجة، ولا يقضي الإدراك الحسي على العلوم العقلية ولا يحكم بصحتها. والصحيح أن علوم العقل هي الحاكمة على علوم الإدراك الحسي، وهو ما عبّر عنه الجاحظ بقوله: «للأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجّة» ومعنى ذلك أن علوم الحس إذا أدّت إلى العلم الذي يقتضي سكون النفس كانت علما منفصلا بذاته. والعلاقة بينها وبين علوم العقل أن هذه تبنىّ عليها. وهذا الانفصال والاستقلال لا يمنع أن يكون العقل حاكما على الحس،
وقاضيا على صحة ما تؤدّي إليه الحواس. وهذا أمر ضروري خصوصا للرد على أولئك الذين يتشككون في صحة المعرفة الحسية لما يعتورها أحيانا من خداع وعوائق تمنع عن الإدراك الصحيح.