فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 269

ويجب على هذا، أن يكون العقل قاضيا على صحة العلم بالمدركات، لأن به نعلم صحتها» أي أن هذه العلوم ترتبط ببعضها البعض ارتباط العلّة بالنتيجة، ولا يقضي الإدراك الحسي على العلوم العقلية ولا يحكم بصحتها. والصحيح أن علوم العقل هي الحاكمة على علوم الإدراك الحسي، وهو ما عبّر عنه الجاحظ بقوله: «للأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجّة» ومعنى ذلك أن علوم الحس إذا أدّت إلى العلم الذي يقتضي سكون النفس كانت علما منفصلا بذاته. والعلاقة بينها وبين علوم العقل أن هذه تبنىّ عليها. وهذا الانفصال والاستقلال لا يمنع أن يكون العقل حاكما على الحس،

وقاضيا على صحة ما تؤدّي إليه الحواس. وهذا أمر ضروري خصوصا للرد على أولئك الذين يتشككون في صحة المعرفة الحسية لما يعتورها أحيانا من خداع وعوائق تمنع عن الإدراك الصحيح.

وإذا كان الإدراك الحسي يعدّ أول العلم بالمدركات كما قرّر القاضي، فإنه أيضا يعدّ مقدمة للعلوم الضرورية التي هي من كمال العقل، أو التي هي العقل في تعريف القاضي. وإذا كانت غاية المعرفة هي معرفة الله لمعرفة أوامره ونواهيه التكليف فإن المعرفة الإدراكية تحتاج لقدر آخر من المعارف التي يعتبرها القاضي معرفة ضرورية من كمال العقل. «ومن كمال العقل أن يعرف من حال المدركات التي هي الأجسام ما تحصل عليه: من كونها مجتمعة أو متفرقة، ومن استحالة كونها في مكانين، لأن متى لم يعلم ذلك لم يسلم له من العلوم ما يجري مجراها، ولا يصحّ منه الاستدلال على اثبات الأعراض وحدوثها، وحدوث الأجسام، وتعلق الفعل بالفاعل، لأن كل ذلك يستند إلى هذا العلم» وهذه المعرفة بحال المدركات بعد العلم بها تعدّ ضرورية في نظر القاضي لارتباطها بأدلّة التوحيد، لأنها مقدمة لاثبات جواز الاجتماع والافتراق على الأجسام، وبالتالي اثبات حدوثها. ويؤدي إثبات حدوثها إلى اثبات صانع مخالف لها غير محدث، ومن ثمّ لا بدّ أن يكون قديما الخ كل هذه الاستدلالات التي تؤدّي إلى اثبات الله بصفاته من القدرة والعلم والحياة.

«ومن كمال العقل أن يعرف بعض المقبحات، وبعض المحسنات، وبعض الواجبات، فيعرف قبح الظلم وكفر النعمة والكذب الذي لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ويعلم حسن الاحسان والتفضّل، ويعلم وجوب شكر النعم ووجوب رد الوديعة عند المطالبة، والانصاف، ويعلم حسن الذم على القبيح إذا لم يكن هناك منع، وحسن الذم على الاخلال بالواجب مع ارتفاع الموانع وإنما يجب حصول هذه العلوم، لأنها لو لم تحصل لم يحصل للمكلّف الخوف من ألّا يفعل النظر، وابتداء التكليف متعلق به، ولأنه لا يصحّ منه العلم بالعدل إلّا معه، لأنه متى لم يعرف الفرق بين الحسن والقبيح لم يصح أن ينزّه القديم تعالى عن المقبحات، ويضيف إليه المحسنات» ولا شك أن القاضي عبد الجبار، ومن قبله مشايخه، بوضعهم كل هذه المعارف في إطار العلم الضروري، كانوا يسعون إلى تأكيد أفكارهم العقلية في العدل والتوحيد تأكيدا يلزم خصومهم التسليم بها. ومن الواضح أن هذه المقدمات أو العلوم الضرورية فيها الكثير مما يحتاج إلى نظر واستدلال. فكون الجسم لا يخلو من الاجتماع والافتراق وكافة الاعراض وهو

مقدمتهم لا ثبات الصانع بصفاته من القدرة والعلم والحياة يعدّ من لطيف الكلام الذي يحتاج لنظر واستدلال، ومن الصعب اعتباره معرفة ضرورية. أمّا العلوم الضرورية المتصلة بالعدل، فهي علوم لا يسلم لهم خصومهم ببديهيتها «فأمّا وجوب الأفعال وحظرها وتحريمها على العباد فلا يعرف إلّا من طريق الشرع»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت