«ومن كمال العقل أن يعرف بعض المقبحات، وبعض المحسنات، وبعض الواجبات، فيعرف قبح الظلم وكفر النعمة والكذب الذي لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ويعلم حسن الاحسان والتفضّل، ويعلم وجوب شكر النعم ووجوب رد الوديعة عند المطالبة، والانصاف، ويعلم حسن الذم على القبيح إذا لم يكن هناك منع، وحسن الذم على الاخلال بالواجب مع ارتفاع الموانع وإنما يجب حصول هذه العلوم، لأنها لو لم تحصل لم يحصل للمكلّف الخوف من ألّا يفعل النظر، وابتداء التكليف متعلق به، ولأنه لا يصحّ منه العلم بالعدل إلّا معه، لأنه متى لم يعرف الفرق بين الحسن والقبيح لم يصح أن ينزّه القديم تعالى عن المقبحات، ويضيف إليه المحسنات» ولا شك أن القاضي عبد الجبار، ومن قبله مشايخه، بوضعهم كل هذه المعارف في إطار العلم الضروري، كانوا يسعون إلى تأكيد أفكارهم العقلية في العدل والتوحيد تأكيدا يلزم خصومهم التسليم بها. ومن الواضح أن هذه المقدمات أو العلوم الضرورية فيها الكثير مما يحتاج إلى نظر واستدلال. فكون الجسم لا يخلو من الاجتماع والافتراق وكافة الاعراض وهو
مقدمتهم لا ثبات الصانع بصفاته من القدرة والعلم والحياة يعدّ من لطيف الكلام الذي يحتاج لنظر واستدلال، ومن الصعب اعتباره معرفة ضرورية. أمّا العلوم الضرورية المتصلة بالعدل، فهي علوم لا يسلم لهم خصومهم ببديهيتها «فأمّا وجوب الأفعال وحظرها وتحريمها على العباد فلا يعرف إلّا من طريق الشرع»
واعتبار العقل هو كل هذه العلوم الضرورية لا ثبات التوحيد والعدل، يعدّ تعريفا يخلط بين المعرفة نفسها وبين مفهوم العقل باعتباره أداة للمعرفة ونشاطا متميزا للوصول إلى المعرفة. ويعدّ هذا التعريف من جانب آخر متناقضا مع ما يقرره القاضي من أن «المكلّف يحتاج إليه (يعني العقل) ، لأن به يعلم الكثير مما كلّف، نحو وجوب رد الوديعة وشكر المنعم وقبح الظلم وحسن الاحسان» فكيف تعرف بالعقل هذه الأشياء مع اعتبارها من العلوم الضرورية التي هي العقل في تعريف القاضي؟ وكيف تكون هذه الأشياء من التكليف الذي يحتاج المكلّف إلى العقل لمعرفتها، وهي في نفس الوقت من علوم العقل الضرورية؟ هنا يحسّ الباحث أن القاضي قد خلط بين العقل كوسيلة وأداة للمعرفة، وبين المعرفة ذاتها التي هي نتيجة ومحصلة لنشاط العقل في ربطه بين المدركات وتحصيل الكليات.
ويذهب القاضي إلى اعتبار كل هذه العلوم بديهية وفطرية ومن كمال العقل، بمعنى أنها علوم لا ينفك عنها العاقل المكلّف، ولا تؤثر فيها عوامل الزمان والمكان والبيئة «إن العلم بالمدح والذم واستحقاقهم على الأفعال من كمال العقل، وليس بموقوف على أن ذلك قد وقع، بل لو خالط الناس ولم يقع من أحد معصية لما وقع الذم، ولو لم يقع منهم طاعة لما وقع المدح على جهة، ولم يؤثر ذلك في كون ما ذكرناه من كمال العقل. وكذلك القول فيه لو خلق في أرض فلاة في أنه يحسن أن يكلّف متى كمل عقله وعلم مكان الحمد والذم، وإن لم يعلم فاعلا لهما» .
وعلى هذا فالعقل شرط في التكليف، رأى الانسان الخير والشر متجسّدين أم لم يرهما. والعقل وحده يستطيع أن يعرف ما يستحق المدح من الأفعال وما يستحق المدح من الأفعال وما يستحق منها الذم، دون أن يعرف الأفعال نفسها.
* * * يعدّ النظر أو الاستدلال هو الوسيلة الأساسية للانتقال من مرحلة العلوم الضرورية التي يتساوى فيها البشر، إلى مرحلة العلوم النظرية، أو الاكتسابية، التي يتفاوت فيها البشر نتيجة تفاوتهم في قدراتهم على النظر والاستدلال. والنظر هو أول مراحل التكليف العقلي. ويتمّ هذا التكليف عن طريق باعث أو داع أو خاطر يسلّطه الله على نفس المكلّف «وتلك الأمارة هي تنبيه الداعي والخاطر، لأنهما
يفيدانه ما يخاف عنده من العقاب بترك النظر، ويدلانه على ما ترتب في عقله من الخوف الذي يجده فاعل القبيح والنقص الذي يختصّ به. فإنه لا يأمن من مضرّة عظيمة تستحق به، فيخاف عند ذلك» ويقوم تخويف الداعي والخاطر على ما ترتب في العقل من ضرورة حسن الذم على القبيح إذا لم يكن هناك منع، فيخشى الانسان، إن هو لم يستجب للداعي والخاطر في حسن النظر، أن يكون بترك النظر واقعا في قبيح يستحق عليه الذم. ويدفعه هذا الخوف من الوقوع في القبيح إلى النظر ليصل بذلك إلى المعرفة.