* * * يعدّ النظر أو الاستدلال هو الوسيلة الأساسية للانتقال من مرحلة العلوم الضرورية التي يتساوى فيها البشر، إلى مرحلة العلوم النظرية، أو الاكتسابية، التي يتفاوت فيها البشر نتيجة تفاوتهم في قدراتهم على النظر والاستدلال. والنظر هو أول مراحل التكليف العقلي. ويتمّ هذا التكليف عن طريق باعث أو داع أو خاطر يسلّطه الله على نفس المكلّف «وتلك الأمارة هي تنبيه الداعي والخاطر، لأنهما
يفيدانه ما يخاف عنده من العقاب بترك النظر، ويدلانه على ما ترتب في عقله من الخوف الذي يجده فاعل القبيح والنقص الذي يختصّ به. فإنه لا يأمن من مضرّة عظيمة تستحق به، فيخاف عند ذلك» ويقوم تخويف الداعي والخاطر على ما ترتب في العقل من ضرورة حسن الذم على القبيح إذا لم يكن هناك منع، فيخشى الانسان، إن هو لم يستجب للداعي والخاطر في حسن النظر، أن يكون بترك النظر واقعا في قبيح يستحق عليه الذم. ويدفعه هذا الخوف من الوقوع في القبيح إلى النظر ليصل بذلك إلى المعرفة.
غير أن النظر، شأنه شأن الإدراك الحسي، لا بدّ له من شروط حتى يؤدّى إلى العلم والمعرفة. وكما اشترط القاضي لصحة الإدراك الحسي سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع، فإنه يشترط وجود الشك، وكأن الشك يعتبر بذلك مقدمة طبيعية وضرورية للفكر المؤدي إلى النظر «ومن حق النظر ألّا يصحّ إلّا مع الشك في المدلول» وتعدّ فكرة الشك فكرة أساسية عند جميع المعتزلة تقريبا، على اعتبار أن الشك ترجيح بين احتمالات مختلفة أو وجوه متعددة. ومن شأن هذا الشك أن يثير التأمل ويحرّك الفكر، مما يجعل الشاك أقرب إلى معرفة الحقيقة ممن يثق بظنه، ويستنيم إلى فكره ووهمه «والذي حصّلناه في هذا الباب، أن النظر لا يصحّ إلّا مع تجويز كون المدلول على صفة وأنه ليس عليها، فيجب أن يقارنه هذا التجويز. وقد يحصل ذلك مع الشك، وقد يحصل مع الظن، وقد يحصل مع الاعتقاد على جهة التبخيت. ولا يصحّ ذلك مع العلم، ولا مع الجهل الواقع بالشبهة، لأن العالم والجاهل بهذا العلم والجهل يتساويان في أنهما لا يجوّزان خلاف ما اعتقداه» بمعنى أن العالم تسكن نفسه إلى ما علمه، وكذلك الجاهل، وكلاهما لا يمكن أن يقع منهما النظر، وذلك على عكس الشاك أو المتردد بين احتمالات مختلفة.
وتلتقي فكرة الداعي والخاطر أساس التكليف العقلي للنظر مع فكرة الشك والتجويز وإثارة الاحتمالات المختلفة في الذهن، تلك الاحتمالات التي تكون مثيرا يدفع للنظر والفحص والاستدلال. ويؤكّد الجاحظ تلك العلاقة بين الشك والوصول إلى اليقين فيما يرويه عن أستاذه النظّام «نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشاك أبصر بجواهر الكلام من أصحاب الجحود
الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شك، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهم حال شك».
والداعي والخاطر يثيران الشك في الانسان، ويخيفانه من أن يكون على باطل، ومن أن يكون جاهلا بالحقيقة. وهذا الخوف يدفعه للتأمل والاستدلال
والنظر حتى يصل إلى الحقيقة التي تسكن إليها نفسه ويهدأ لها باله. وعلى ذلك تقوم المعرفة عند القاضي على أساسين: أساس نفسي هو الخوف من أن يكون على خطأ، أو على جهل قد يهدد مصيره الانساني. وأساس معرفي هو الشك فيما يعتقده، وتجويز أن يكون الواقع على خلاف ما يعتقد. وبناء على هذين الاساسين تتحدد الغاية الدينية للمعرفة، وهي غاية ذات شقين: غاية دينية أخلاقية هدفها أن تجنب الانسان القبيح الذي يترتب عليه استحقاقه للذم، وأن تؤدي به إلى فعل الحسن الذي يستحق به المدح. وغاية أخروية هدفها خلاص الانسان من العذاب الذي يمكن أن يلاقيه نتيجة جهله بخالقه، وتقصيره في أداء ما كلّف به. وأساسا المعرفة الشك والخوف وغايتاها الدنيوية والأخروية غير منفصلتين بأي حال من الأحوال، فكلاهما تفضي إلى الأخرى.