والداعي والخاطر يثيران الشك في الانسان، ويخيفانه من أن يكون على باطل، ومن أن يكون جاهلا بالحقيقة. وهذا الخوف يدفعه للتأمل والاستدلال
والنظر حتى يصل إلى الحقيقة التي تسكن إليها نفسه ويهدأ لها باله. وعلى ذلك تقوم المعرفة عند القاضي على أساسين: أساس نفسي هو الخوف من أن يكون على خطأ، أو على جهل قد يهدد مصيره الانساني. وأساس معرفي هو الشك فيما يعتقده، وتجويز أن يكون الواقع على خلاف ما يعتقد. وبناء على هذين الاساسين تتحدد الغاية الدينية للمعرفة، وهي غاية ذات شقين: غاية دينية أخلاقية هدفها أن تجنب الانسان القبيح الذي يترتب عليه استحقاقه للذم، وأن تؤدي به إلى فعل الحسن الذي يستحق به المدح. وغاية أخروية هدفها خلاص الانسان من العذاب الذي يمكن أن يلاقيه نتيجة جهله بخالقه، وتقصيره في أداء ما كلّف به. وأساسا المعرفة الشك والخوف وغايتاها الدنيوية والأخروية غير منفصلتين بأي حال من الأحوال، فكلاهما تفضي إلى الأخرى.
يختلف كل من أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم في تحديد طبيعة الخاطر الذي يدعو إلى ضرورة النظر، فذهب أبو علي إلى «أنه ليس بكلام وأنه اعتقاد» بينما ذهب أبو هاشم إلى «أنه كلام، إمّا أن يفعله الله تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله» وحاول القاضي عبد الجبار التوسّط فذهب إلى أنه معنى «لأنه أمر حادث يختصّ من ورد عليه، ولا بدّ إذا كان معنى، من أن يكون من أفعال القلوب أو أفعال الجوارح، لأن اثباته سوى هذين لا يصح» . وبصرف النظر عن هذا الخلاف الدقيق، فإن مهمة الداعي والخاطر تنحصر عند أبي هاشم في بيان وجه الضرر الذي يلحق بالمكلّف إذا ترك النظر ومن ثمّ يتوجّه إليه قائلا «انظر لتعلم أن لك صانعا صنعك ومدبرا دبرك، وتعلم استحقاق الثواب من جهته على فعل الواجب والعقاب على فعل القبيح. ومتى لم تعرفه وتعرف هذا الثواب والعقاب، كنت إلى فعل القبيح أقرب، لأنك تجد شهوته فيك، وأنت إذا عرفته كنت إلى التباعد منه أقرب، لأنك تجد استحقاق الذم على القبيح مع ما يؤثّر فيك من غم ونقيصة، فلا تأمن أن تستحق به المضار العظيمة» عند ذلك يخاف المكلّف من ترك النظر «حتى لو لم يخف البتة لم يكن مكلّفا ولا عاقلا، إذ العاقل إذا خوّف بأمارة صحيحة خاف لا محالة» .
ومن اللافت للانتباه أن القاضي عبد الجبار إذا كان قد اعتبر العقل فطريا وقاسما مشتركا بين البشر، لا يتأثر بظروف الزمان أو المكان او البيئة، فإنه أدرك أن الباعث على النظر والاستدلال واكتساب العلوم النظرية يأتي من خارج الانسان الداعي والخاطر ومن داخله الشك معا، فالخاطر يثير الخوف من العقاب الخارجي، والشك يثير الرغبة في التوازن الداخلي وصولا لليقين. ولكن هل من
الضروري أن يؤدي النظر إلى المعرفة؟ ألا يجوز أن يؤدي بنا للجهل؟ وفي هذه الحالة لا يكون ثمّة ضرورة له ما دام سينقلنا إلى جهل آخر. ينكر القاضي أن يؤدي النظر إلى الجهل وإن جوّز أن يؤدّي إلى غالب الظن أو أن يؤدّي على أسوأ تقدير إلى الشك مرة أخرى. ولكنه إذا كان نظرا من عاقل في دليل معلوم، فلا بدّ أن يؤدي إلى العلم «ومن حق النظر أن يكون فيه ما يولّد العلم، إذا كان نظرا من عاقل في دليل معلوم له على الوجه الذي يدلّ، ويكون فيه ما لا يولّد العلم، بل يقتضى غالب الظن في أمور الدنيا، وقد يكون فيه ما لا يحصل عنده الوجهان جميعا. ولا يصحّ أن يكون فيه ما يولّد الشبهة أو الجهل وكما لا يجوز أن يولّد الجهل، فكذلك لا يجوز أن يولّد غير الاعتقاد من أفعال القلوب» .