فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 269

ومن اللافت للانتباه أن القاضي عبد الجبار إذا كان قد اعتبر العقل فطريا وقاسما مشتركا بين البشر، لا يتأثر بظروف الزمان أو المكان او البيئة، فإنه أدرك أن الباعث على النظر والاستدلال واكتساب العلوم النظرية يأتي من خارج الانسان الداعي والخاطر ومن داخله الشك معا، فالخاطر يثير الخوف من العقاب الخارجي، والشك يثير الرغبة في التوازن الداخلي وصولا لليقين. ولكن هل من

الضروري أن يؤدي النظر إلى المعرفة؟ ألا يجوز أن يؤدي بنا للجهل؟ وفي هذه الحالة لا يكون ثمّة ضرورة له ما دام سينقلنا إلى جهل آخر. ينكر القاضي أن يؤدي النظر إلى الجهل وإن جوّز أن يؤدّي إلى غالب الظن أو أن يؤدّي على أسوأ تقدير إلى الشك مرة أخرى. ولكنه إذا كان نظرا من عاقل في دليل معلوم، فلا بدّ أن يؤدي إلى العلم «ومن حق النظر أن يكون فيه ما يولّد العلم، إذا كان نظرا من عاقل في دليل معلوم له على الوجه الذي يدلّ، ويكون فيه ما لا يولّد العلم، بل يقتضى غالب الظن في أمور الدنيا، وقد يكون فيه ما لا يحصل عنده الوجهان جميعا. ولا يصحّ أن يكون فيه ما يولّد الشبهة أو الجهل وكما لا يجوز أن يولّد الجهل، فكذلك لا يجوز أن يولّد غير الاعتقاد من أفعال القلوب» .

ومعنى ذلك أن النظر من شأنه أن يولّد العلم إذا كان نظرا في دليل معلوم على الوجه الذي يدلّ. وعدم الوصول بالنظر إلى مرحلة العلم يعني وجود نوع من الخطأ في استخدام الدليل، أو في معرفة وجه الاستدلال به.

وتتحدد أنواع الأدلّة عند القاضي عبد الجبار بناء على تحديده لغاية المعرفة.

وغاية المعرفة هي الوصول إلى معرفة المكلّف بكل صفاته من التوحيد والعدل، ثم الوصول بعد ذلك إلى معرفة أوامره ونواهيه حتى يمكن أداء التكاليف الشرعية التي تؤدي إلى الثواب وتعصم من العقاب، ومن الطبيعي أن تنقسم الأدلّة تبعا لهذا الترتيب المعرفي. فثمّ أدلّة تعرف بها قضايا التوحيد. وثمّ أدلّة تعرف بها قضايا العدل. ونوع ثالث تعرف به النبوات والشرائع. وهكذا تنقسم الأدلّة إلى أنواع ثلاثة يختصّ كل منها بمرحلة من مراحل المعرفة «فمنها ما يدلّ على الصحة والوجوب، ومنها ما يدلّ في الدواعي والاختيار، ومنها ما يدلّ بالمواضعة والقصد. ورتبنا كل واحد من هذه الوجوه، بأن بيّنا: أن المقدّم على ما يدلّ من حيث الصحة، وهو الذي يتطرّق به إلى معرفة التوحيد، ثم يتلوه ما يدلّ بالدواعي، وهو الذي يعرف به العدل، ثم يتلوه ما يدلّ بالمواضعة وتعرف به النبوات والشرائع.

يختصّ النوع الأول من الأدلّة بأنه يعرف به التوحيد. وتفصيل ذلك أن هذا النوع الأول يدلّ على الصحة والوجوب، بمعنى أن وجود الفعل أو وقوعه يدلّ وجوبا على وجود الفاعل. وإن وقع الفعل محكما دلّ على أن فاعله عالم ولا دخل لحال الفاعل أو الفعل في هذه الدلالة. أي أنها دلالة مجردة منفصلة عن أحوال الفعل وأحوال الفاعل معا. وتستند هذه الدلالة في حركة العقل الفكرية للنظر والاستدلال إلى العلوم الضرورية القائمة في الذهن والتي اعتبرها القاضي من كمال العقل. وأول هذه الحركة الاستدلالية البدء بالضروريات، وأهمها أن

الفعل يتعلّق بالفاعل، وأن ثمّ أجسادا في العالم لا نقدر عليها، فلا بدّ من فاعل لها مغاير لها ولنا. وأن هذه الاجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون وكافة الأعراض، وهذه الأعراض محدثة ولا يجوز عليها البقاء وكل ما لا يخلو من الحدوث محدث مثله. وهكذا ينتهي المتكلم إلى اثبات حدوث العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت