فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 269

يختصّ النوع الأول من الأدلّة بأنه يعرف به التوحيد. وتفصيل ذلك أن هذا النوع الأول يدلّ على الصحة والوجوب، بمعنى أن وجود الفعل أو وقوعه يدلّ وجوبا على وجود الفاعل. وإن وقع الفعل محكما دلّ على أن فاعله عالم ولا دخل لحال الفاعل أو الفعل في هذه الدلالة. أي أنها دلالة مجردة منفصلة عن أحوال الفعل وأحوال الفاعل معا. وتستند هذه الدلالة في حركة العقل الفكرية للنظر والاستدلال إلى العلوم الضرورية القائمة في الذهن والتي اعتبرها القاضي من كمال العقل. وأول هذه الحركة الاستدلالية البدء بالضروريات، وأهمها أن

الفعل يتعلّق بالفاعل، وأن ثمّ أجسادا في العالم لا نقدر عليها، فلا بدّ من فاعل لها مغاير لها ولنا. وأن هذه الاجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون وكافة الأعراض، وهذه الأعراض محدثة ولا يجوز عليها البقاء وكل ما لا يخلو من الحدوث محدث مثله. وهكذا ينتهي المتكلم إلى اثبات حدوث العالم.

لا يمكن لفاعل العالم أن يكون محدثا وإلّا كان مثلها، وبذلك تثبت صفة القدم لله.

ثم يستدلّ بوقوع الفعل أيضا على القدرة، وبوقوعه محكما على العلم. ويستدلّ بوجود القدرة والعلم على الحياة.

أمّا النوع الثاني من الأدلّة، وهو ما يدلّ بالدواعي والاختيار، فهو النوع الذي يتوصّل به إلى معرفة «العدل» . وهذا النوع يقع في الترتيب تاليا للنوع الأول. بمعنى أننا إذا عرفنا الله بصفاته وأنه ليس جسما ولا عرضا «ولا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الصعود والهبوط والارتفاع والانحدار والانتقال من مكان إلى مكان ولا تجوز عليه الزيادة والنقصان» الخ، إذا عرفنا ذلك أمكننا أن نعرف ما يختاره من الأفعال وما يمتنع عنه. وما دمنا علمنا أنه عالم، فلا بدّ أنه عالم بقبح القبيح ومستغن عنه، وعالم باستغنائه عن فعله. ومن شأن هذا العلم أن يكون داعيا له لاختيار الأفعال الحسنة دون القبيحة. وينتهي بنا كل ذلك إلى «العلم بكونه عدلا حكيما، لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب، ولا يأمر بالقبيح، ولا ينهى عن الحسن، وأن أفعاله كلها حسنة. فبهذه الطرق يحصل المرء لنفسه علوم التوحيد والعدل» .

والنوع الثالث من الأدلّة وهو الذي يدلّ بالمواضعة وتعرف به النبوات والشرائع، أو بكلمات أخرى هو الوحي، الذي نستطيع عن طريقه معرفة الشريعة. غير أن علينا أن نلاحظ أن القاضي قد رتّب الأنواع الثلاثة من الأدلّة ترتيبا بحسب أهميتها المعرفية. فأدلّة التوحيد أولا، ثم أدلّة العدل فأدلّة الشرع.

ومعنى هذا أننا كما سبقت الاشارة لا نستطيع معرفة الشرع إلّا بعد معرفة التوحيد والعدل إذ أن معرفة الشرع فرع عليهما.

ويفرّق القاضي عبد الجبار بين أنواع الأدلّة من وجه آخر يكشف بشكل أوضح عن الدلالة الشرعية «اعلم أن الأدلّة على ضربين: أحدهما يدلّ على ما يدلّ عليه، لوجه يختصه لا يتعلق باختيار الفاعل له وما جرى مجراه فهذا لا يجوز أن تتغير حاله في الدلالة، وذلك كدلالة الأعراض على حدوث الاجسام، والفعل بمجرده على أن فاعله قادر، وبكونه محكما على أنه عالم. والثاني يدلّ على مدلوله، لوقوعه على وجه له تعلق باختيار فاعله، كدلالة الكلام على ما يدلّ عليه، لأن الخبر إنما

يدلّ على المخبر عنه من حيث قصد به الاخبار عما هو خبر عنه، ومن حيث كان فاعله على صفة ولا يدلّ بجنسه» ومعنى ذلك أن الكلام الدلالة الشرعية لا يدلّ إلّا بعد فهم دواعي المتكلم وقصده. ولا يمكن فهم الدواعي إلّا بعد معرفة التوحيد والعدل. أي معرفة الله بصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز. وهذا هو الشرط الأول لفهم الدلالة الشرعية. أمّا الشرط الثاني فهو المواضعة، فالكلام الدلالة الشرعية لا يمكن أن يدلّ على ما يدلّ عليه إلّا مع قدم المواضعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت