يعدّ البحث في «الكلام» قضية خلافية حادة بين المعتزلة وخصومهم، خصوصا الأشاعرة. وإذا كان كل من الباقلاني والقاضي عبد الجبار قد اعتبر الدلالة الشرعية تدلّ من جهة المواضعة والمواطأة، وأضاف القاضي إليها شرط «القصد» ، فإنهما لم يتفقا على تحديد مفهوم الكلام، ولا على تحديد جهة المواضعة والمواطأة. والجذر الديني لهذه المشكلة يتصل في الفكر الاعتزالي بقضية التوحيد وبقضية خلق القرآن. وقد كان هدف المعتزلة من اثارة هذه المشكلة متأثرين بمن سبقهم من المتكلمين كالجعد بن درهم وغيلان الدمشقي مرتبطا برغبتهم في نفي وجود أي صفة قديمة خارجة عن الذات الإلهية، وذلك ليخلص لهم مبدأ التنزيه والتوحيد نقيا من أي ايهام بالتعدد ولذلك فصلوا بين صفات الذات وصفات الفعل. واقتصرت الصفات الذاتية عندهم على العلم والقدرة والحياة والقدم، وهي صفات ليست منفصلة عن الذات، بل هي هو فالله عند أبي. الهذيل العلاف «عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وهو حي بحياة هي هو» . أمّا الكلام فقد اعتبره المعتزلة من صفات الفعل. وهي صفات لا تختلف في الغائب عنها في الشاهد، وبالتالي يجوز فيها القياس، واقامة معرفتنا لما
غاب عنا قياسا على معرفتنا لما نشاهده. ويقسم القاضي عبد الجبار الصفات الإلهية على أقسام «منها ما يجب له في كل حال، ككونه عالما وقادرا. ومنها ما يستحيل عليه في كل حال، ككونه متحركا وساكنا، إلى سائر ما يختصّ ما خالفه من الجواهر والأعراض. ومنها ما يستحيل عليه فيما لم يزل ويصحّ عليه فيما بعد ذلك، كصفات الأفعال أجمع، ككونه محسنا ومتفضّلا ورازقا وخالقا، فلا يجب إذا قلنا أنه يستحيل كونه متكلّما فيما لم يزل أن يستحيل ذلك عليه أبدا، بل يصحّ ذلك عليه إذا صحّ أن يفعل الكلام، كما ذكرناه في صفات الأفعال» فصفة الكلام إذن صفة فعل، وليست صفة ذات. وصفة الفعل لا يمكن أن يوصف بها الله فيما لم يزل، بل هي صفة حادثة مع وجود الحاجة للكلام. وإذا كان الأمر كذلك، فإن كلام الله ليس قديما، بل هو محدث لارتباطه بوجود من يخاطبه عز وجل من الملائكة أو البشر، ووجودهم محدث لا مراء. والكلام الإلهي من ناحية أخرى لا بدّ أن يكون مفيدا، لأنه يتوجه إلى مخاطب. فإن لم يكن مفيدا دخل في العبث الذي يتنزّه الله عنه، لوقوع أفعاله كلها في دائرة الحكمة والصواب. ووجوب الإفادة في كلام الله مع وجوب الحدوث يؤديان معا إلى ضرورة أن يكون كلامه سبحانه مسبوقا بالمواضعة «لأن الكلام لا يكون مفيدا إلّا وقد تقدّمت المواضعة عليه، وإلّا كانت حاله وحال سائر الحوادث لا تختلف» .
لا يختلف الأشاعرة مع المعتزلة في اعتبار المواضعة شرطا من شروط الدلالة اللغوية كما رأينا عند الباقلاني. ولكنهم يختلفون معهم في تحديد صفة الكلام الإلهي على أساس «أن كلام الله تعالى صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به وأنه قائم به ومختص بذاته» . وهذا الخلاف بين قدم الكلام الإلهي قول الأشاعرة وبين حدوثه قول المعتزلة كان من شأنه أن يثير خلافا حول أصل المواضعة في اللغة هل هي توقيف من الله أم اصطلاح من البشر؟ وكان من الطبيعي أن يذهب الأشاعرة إلى اعتبار المواضعة توقيفا، ما دام الكلام صفة ذاتية قديمة من صفات الله عز وجل. وإلى العكس من ذلك ذهب المعتزلة اتساقا مع نظرتهم للكلام الإلهي على أنه صفة من صفات الفعل.
وإذا كانت هذه القضية تبدو ناضجة جدا وواضحة المعالم في القرن الرابع حيث يعبّر ابن فارس عن رأي القائلين بالتوقيف، ويعبّر القاضي عبد الجبار عن رأي القائلين بالاصطلاح، وبينهما يتراوح ابن جني رغم اعتزاليته بين التوقيف والاصطلاح وتقليد أصوات الطبيعة. إذا كان الأمر كذلك، فمن المؤكد أن القضية أقدم من ذلك، إذ هي ترتدّ كما أشرنا للخلاف حول صفة الكلام وخلق
القرآن وهي خلافات أدّت إلى فتن دامية، انتهت بالقضاء على الإزدهار الاعتزالي في التاريخ الاسلامي.