فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 269

وإذا كانت هذه القضية تبدو ناضجة جدا وواضحة المعالم في القرن الرابع حيث يعبّر ابن فارس عن رأي القائلين بالتوقيف، ويعبّر القاضي عبد الجبار عن رأي القائلين بالاصطلاح، وبينهما يتراوح ابن جني رغم اعتزاليته بين التوقيف والاصطلاح وتقليد أصوات الطبيعة. إذا كان الأمر كذلك، فمن المؤكد أن القضية أقدم من ذلك، إذ هي ترتدّ كما أشرنا للخلاف حول صفة الكلام وخلق

القرآن وهي خلافات أدّت إلى فتن دامية، انتهت بالقضاء على الإزدهار الاعتزالي في التاريخ الاسلامي.

ويقرر القرآن أن الله هو الذي علّم آدم الاسماء كلها، ولذلك استند اصحاب التوقيف إلى هذه الآية (سورة البقرة / 31) للاستدلال على صحة رأيهم.

أمّا القائلون بالاصطلاح فقد وقعوا في مآزق حاولوا الخروج منها بالتأويل.

واضطرب المعتزلة جميعا أمام هذه الآية اضطرابا عظيما. ذهب أبو علي الجبائي (ت 303هـ) مستندا إلى هذه الآية إلى أن «هذه اللغات أصلها التوقيف» وبذلك أراح نفسه، لأنه كان يعتبر الخاطر الداعي إلى النظر أساس التكليف اعتقاد، وبالتالي لا بدّ قبل وقوع التكليف من جهة الله من التوقيف على بعض اللغات ليصحّ النظر، ويحسن ارسال الرسل. ولقد خالف أبو هاشم (ت 321هـ) أباه في هذه القضية، ويهاجم ابن القيّم الجوزية أبا هاشم على أساس «أنه زعم أن اللغات اصطلاحية، وأن أهل اللغة اصطلحوا على ذلك» وأنه أول من ابتدع هذه البدعة. ويبدو في حديث أبي هاشم أنه يردّ على أبيه تعليقه بعثة الرسل والوحي على التوقيف على بعض اللغات حين يقول: «إن التوقيف في تعليم الأسماء والصفات لا يصحّ. ويقول (متأوّلا آية سورة البقرة) إن تعليم الله تعالى آدم الأسماء لا يصحّ إلّا وقد عرف، مواضعة، على لغة الملائكة، ثم وقعت المخاطبة بها، فعرف عند ذلك ما عرفه الله تعالى» وهكذا يفترض أبو هاشم أن ثمّة لغة تواضعت عليها الملائكة، وأن آدم كان قد عرف هذه اللغة قبل أن يعلّمه الله اسماء الأشياء، ثم علّمه الله اسماء هذه الأشياء باللغة التي عرفها آدم عن الملائكة. وينسى أبو هاشم أنه يرتدّ بقضية المواضعة إلى الملائكة الذين هم خلق لله، ويسلب آدم أي فعّالية في المواضعة اللغوية. وحقيقة المعضلة التي لم يدركها أبو هاشم أن سياق الآية نفسها كان في معرض بيان فضل آدم على الملائكة، واختيار الله له للخلافة في الأرض، ومن ثمّ تزويده ببعض الوسائل التي تعينه على الحياة ومنها تعليمه أسماء الأشياء، وهي أسماء لم تكن الملائكة تعرفها، حتى أنها عجزت عن الإنباء بأسماء هذه الأشياء، وبذلك تميّز عنهم آدم بهذا العلم الذي وهبه الله إياه.

وتعدّ فكرة الاصطلاح في اللغة عند المعتزلة ضرورية لنفي مشابهة الله للبشر، وذلك إلى جانب اتصالها بقضية الكلام وحدوثه. فالمواضعة تحتاج للاشارة المادية الحسية بمعنى أن المواضعة بين اثنين مثلا على تسمية شيء ما باسم ما تستلزم أن يشير أحدهما للشيء وينطق الاسم عدة مرات، وذلك «على حسب ما نجد الطفل ينشأ عليه فيتعلم لغة والديه، إذا تكررت منهما الإشارات» . هذه

الإشارة المادية التي هي جزء من المواضعة لا تجوز على الله لأنه ليس جسما، وهي فكرة يطرحها كل من ابن جني والقاضي عبد الجبار. يقول ابن جنى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت