وتعدّ فكرة الاصطلاح في اللغة عند المعتزلة ضرورية لنفي مشابهة الله للبشر، وذلك إلى جانب اتصالها بقضية الكلام وحدوثه. فالمواضعة تحتاج للاشارة المادية الحسية بمعنى أن المواضعة بين اثنين مثلا على تسمية شيء ما باسم ما تستلزم أن يشير أحدهما للشيء وينطق الاسم عدة مرات، وذلك «على حسب ما نجد الطفل ينشأ عليه فيتعلم لغة والديه، إذا تكررت منهما الإشارات» . هذه
الإشارة المادية التي هي جزء من المواضعة لا تجوز على الله لأنه ليس جسما، وهي فكرة يطرحها كل من ابن جني والقاضي عبد الجبار. يقول ابن جنى:
«والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحدا من عباده على شيء، إذ قد ثبت أن المواضعة لا بدّ معها من ايماء وإشارة بالجارحة، نحو المومى إليه، والمشار نحوه، والقديم سبحانه لا جارحة له، فيصحّ الايماء والإشارة بها منه. فبطل عندهم أن تصحّ المواضعة على اللغة منه» . ويقول القاضي مؤكدا نفس الفكرة: «وأمّا أول المواضعات فلا بدّ فيه من تقدم الإشارة التي تخصص المسمى ولذلك جوّزنا من القديم تعالى تعليمه لغة بعد تقدم المواضعة على لغة، ولم نجوّز أن يبتدئ بالمواضعة لاستحالة الإشارة عليه سبحانه» .
وينتهي المعتزلة تأكيدا لمبدأ التوحيد إلى أن المواضعة على اللغات لا بدّ أن تسبق كلام الله حتى يقع مفيدا، ولا يجوز أن يبدأ الله المواضعة على اللغة، لأن المواضعة تستلزم الإشارة الحسية التي لا تجوز عليه سبحانه فإذا تقدّمت المواضعة على لغة ما بين البشر، فلا مانع عند المعتزلة بعد ذلك من أن يبدأ الله مواضعة على لغة أخرى. وهذه المواضعة الثانية لا تستلزم الإشارة الحسية، لأن الكلام باللغة المتواضع عليها سابقا يغني في هذه الحالة عن الإشارة الحسية التي لا تجوز على الله. «يجوز أن ينقل الله اللغة التي قد وقع التواضع بين عباده عليها، بأن يقول:
الذي كنتم تعبّرون عنه بكذا، عبّروا عنه بكذا، والذي كنتم تسمونه كذا ينبغي أن تسموه كذا، وجواز هذا منه سبحانه كجوازه من عباده».
وإلى جانب ارتباط فكرة الاصطلاح في المواضعة اللغوية بقضية التوحيد، فإنها ترتبط بقضية المعرفة من جانب التفرقة بين العلم الضروري والعلم الاكتسابي. فالإشارة الحسية وهي شرط في المواضعة قرينة المعرفة الضرورية، أي أن الإسم حين يرتبط نطقه بالإشارة الحسية، يقع العلم الضروري بأن هذا الشيء المشار اليه يدعى بهذا الاسم. وهذه المعرفة الضرورية تعدّ نتيجة للاشارة الحسية، إذ هي معرفة ادراكية، أو علم بالمدركات كما يقول المعتزلة. وإذا كانت هذه الاشارة الحسية لا تجوز على الله، فإننا من جانب آخر لا يمكن أن نعرف قصده تعالى باضطرار، كما نعرف قصد المتكلم العادي الذي يزاوج عادة بين الكلام والاشارة «أنه لا طريق إلى العلم بالمقاصد على جهة الاكتساب بالكلام، وتعلقه بالمسمى» . ونحن لا يمكن أن نعرف قصد الله تعالى باضطرار، لأن هذه المعرفة لا تجوز «في حال التكليف كما لا نعلم ذاته باضطرار في حال التكليف» .
وليس الانسان وحده هو الذي لا يجوز عليه معرفة قصد الله معرفة ضرورية،
بل الملائكة أيضا لا يتسنى لها ذلك «لأنها مكلّفة ولم يكن لها قبل التكليف حال علمت فيه القديم، جل وعز، ضرورة لأن هذه الحال إنما تجوز في أهل الآخرة ومن يجري مجراهم دون غيرهم» وهكذا إذا كانت معرفة الله بصفاته لا يجوز أن تكون ضرورية، سواء للملائكة أو البشر لتساويهما في التكليف العقلي، فإن معرفة قصده لا يمكن أن تكون ضرورية، بل كلاهما معرفة نظرية كسبية استدلالية.