وليس الانسان وحده هو الذي لا يجوز عليه معرفة قصد الله معرفة ضرورية،
بل الملائكة أيضا لا يتسنى لها ذلك «لأنها مكلّفة ولم يكن لها قبل التكليف حال علمت فيه القديم، جل وعز، ضرورة لأن هذه الحال إنما تجوز في أهل الآخرة ومن يجري مجراهم دون غيرهم» وهكذا إذا كانت معرفة الله بصفاته لا يجوز أن تكون ضرورية، سواء للملائكة أو البشر لتساويهما في التكليف العقلي، فإن معرفة قصده لا يمكن أن تكون ضرورية، بل كلاهما معرفة نظرية كسبية استدلالية.
كل ذلك ينفي أن يبدأ الله الملائكة أو البشر مواضعة على لغة، لأن من شرط المواضعة الإشارة الحسية التي تؤدّي إلى معرفة قصد المتكلم والمشير باضطرار. وكلا الأمرين مستحيل في حق الله، لأنه يؤدّي إلى هدم مبدأ التكليف العقلي، وهو حجر الزاوية في الفكر الاعتزالي، إلى جانب ما يؤدي اليه من مشابهة الله للأجساد.
وإذا كانت قضية المواضعة والاصطلاح في اللغة تعدّ هامة في الفكر الاعتزالي، لاتصالها بالتوحيد من جانب وبالمعرفة الاستدلالية بالله من جانب آخر، فقد كان من الطبيعي أن يعتبر القاضي عبد الجبار خلافا للباقلاني القصد شرطا من شروط الدلالة الشرعية وهي الكلام. فإذا كان المتكلم الماثل أمامنا يمكن أن نفهم قصده باضطرار بحكم ما يقارن كلامه من اشارات، فإن هذه المقارنة ليست متوفرة في كلام الله، لأنه ليس ماثلا أمامنا، ولا هو ممن تجوز عليه الإشارة.
ومن جهة أخرى فإن صفات الله صفات الذات والفعل معا يمكن التوصّل إلى معرفتها عن طريق الدليل العقلي. وصفات الفعل هي التي تكشف عن دواعي الله واختياراته، أي هي التي تكشف للعقل عما يجوز عليه من الأفعال وما لا يجوز منه، فهو عدل لا يختار القبيح ولا يأمر به ولا ينهى عن الحسن ولا يظلم ولا يكذب في أخباره الخ كل صفات العدل التي يمكن الاستدلال عليها بالعقل. وصفات الفعل هذه يمكن أن تحدد لنا مقاصد الله بكلامه. وهكذا ترتدّ الدلالة اللغوية الكلام إلى العقل الذي يعرف قصد الله استدلالا قبل ورود الشرع، وهذا أمر سنتعرّض له تفصيلا عند حديثنا عن المجاز والتأويل.
قضية الاصطلاح في المواضعة إذن ليست قضية فرعية أو ثانوية، فهي تمتد بجذورها في كل قضايا الفكر الاعتزالي. ولقد كان من الطبيعي أن تتجمع خيوط هذه القضية حول الآية الكريمة {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا.} وهي آية كانت تواجه كل مفكر معتزلي يبحث في أصل اللغة ومنشئها. ولقد سبق أن رأينا تسليم أبي علي الجبائي بمنطوقها، وافتراضات أبي هاشم لتأويلها. أمّا القاضي عبد الجبار فيكاد يجمع كل تفاصيل النقاش في القضية عند تأويله لهذه الآية «إن الله لا يصحّ أن
يعرّف المكلّف الأسماء كلها لأنه لا بدّ من مواضعة متقدمة على لغة واحدة، ليفهم بها سائر اللغات، فمتى لم تتقدم، لم يصح أن يعرّفه مع التكليف، لأن تعريف الأسماء يقتضي تعريف المقاصد ولا يصحّ فيمن يعرف الله باستدلال أن يعرف مقاصده ضرورة، حتى إذا عرف لغة واحدة صحّ أن يخاطبه بها فيعرفه سائر اللغات، فلا بدّ أن يكون آدم قد عرف مواضعة الملائكة على لغة ما، ثم علّمه الاسماء في سائر اللغات بتلك اللغة» وإذا كانت الآية تنصّ على أن الله قد علّم آدم كل الأسماء، فسلاح التأويل كفيل بحل المشكلة. والدليل العقلي على استحالة أن يكون قد علّمه كل الأسماء، لاستحالة ابتداء المواضعة على الله، كفيل بتخصيص عموم لفظ «كل» . فإذا كان هذا اللفظ يدلّ على العموم، وليس في لفظ الآية ما يدلّ على تخصيص هذا العموم كالاستثناء أو غيره من أدوات التخصيص اللغوية، فإن هذا الدليل العقلي يخصص عموم الآية. ومن جهة أخرى فالعقل يحدد قصد الله ويعرفه، وهو بذلك لا يقلّ دلالة عن القرينة اللفظية إن لم يزد عليها. «إذا صحّ بما ذكرناه من دليل العقل أن العلم بمراده بالخطاب لا يصحّ إلّا على الوجه الذي قدّمناه (يعني تقدم المواضعة) وجب تخصيص قوله «الأسماء كلها، والقطع على أنه لا بدّ من لغة عرفها إمّا بمواضعة بينه وبين حواء أو الملائكة، أو على جهة الإتباع للغتهم، ثم علّمه أسماء تلك الأجناس باللغات الأخر، وإن لم يمتنع أن يعرّفه أسماء أشياء لم يتواضع عليها في تلك اللغة، لأن ذلك غير ممتنع في بعض الأسماء، إذا حصلت المواضعة على غيرها من الأسماء.