قضية الاصطلاح في المواضعة إذن ليست قضية فرعية أو ثانوية، فهي تمتد بجذورها في كل قضايا الفكر الاعتزالي. ولقد كان من الطبيعي أن تتجمع خيوط هذه القضية حول الآية الكريمة {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا.} وهي آية كانت تواجه كل مفكر معتزلي يبحث في أصل اللغة ومنشئها. ولقد سبق أن رأينا تسليم أبي علي الجبائي بمنطوقها، وافتراضات أبي هاشم لتأويلها. أمّا القاضي عبد الجبار فيكاد يجمع كل تفاصيل النقاش في القضية عند تأويله لهذه الآية «إن الله لا يصحّ أن
يعرّف المكلّف الأسماء كلها لأنه لا بدّ من مواضعة متقدمة على لغة واحدة، ليفهم بها سائر اللغات، فمتى لم تتقدم، لم يصح أن يعرّفه مع التكليف، لأن تعريف الأسماء يقتضي تعريف المقاصد ولا يصحّ فيمن يعرف الله باستدلال أن يعرف مقاصده ضرورة، حتى إذا عرف لغة واحدة صحّ أن يخاطبه بها فيعرفه سائر اللغات، فلا بدّ أن يكون آدم قد عرف مواضعة الملائكة على لغة ما، ثم علّمه الاسماء في سائر اللغات بتلك اللغة» وإذا كانت الآية تنصّ على أن الله قد علّم آدم كل الأسماء، فسلاح التأويل كفيل بحل المشكلة. والدليل العقلي على استحالة أن يكون قد علّمه كل الأسماء، لاستحالة ابتداء المواضعة على الله، كفيل بتخصيص عموم لفظ «كل» . فإذا كان هذا اللفظ يدلّ على العموم، وليس في لفظ الآية ما يدلّ على تخصيص هذا العموم كالاستثناء أو غيره من أدوات التخصيص اللغوية، فإن هذا الدليل العقلي يخصص عموم الآية. ومن جهة أخرى فالعقل يحدد قصد الله ويعرفه، وهو بذلك لا يقلّ دلالة عن القرينة اللفظية إن لم يزد عليها. «إذا صحّ بما ذكرناه من دليل العقل أن العلم بمراده بالخطاب لا يصحّ إلّا على الوجه الذي قدّمناه (يعني تقدم المواضعة) وجب تخصيص قوله «الأسماء كلها، والقطع على أنه لا بدّ من لغة عرفها إمّا بمواضعة بينه وبين حواء أو الملائكة، أو على جهة الإتباع للغتهم، ثم علّمه أسماء تلك الأجناس باللغات الأخر، وإن لم يمتنع أن يعرّفه أسماء أشياء لم يتواضع عليها في تلك اللغة، لأن ذلك غير ممتنع في بعض الأسماء، إذا حصلت المواضعة على غيرها من الأسماء.
وبعد، فإن ظاهر الآية يقتضي أن ما علمه من الأسماء هو ما تقدّمت المواضعة عليها، وصارت بذلك أسماء، لأن الاسم إنما يسمى بذلك متى تقدّمت فيه مواضعة أو ما يجري مجراه، لانه إنما يصير اسما للمسمى بالقصد، ومتى لم يتقدّم تعلقه بالمسمى لأجل القصد، لم يسم بذلك».
* * * خالف أهل السنة والأشاعرة المعتزلة في قضية المواضعة الاصطلاحية للغة.
وهذا الخلاف يرتدّ في جذوره الحقيقية، إلى قضية خلق القرآن من جهة، وقضية المعرفة من جهة أخرى. ذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن القرآن «كلام الله غير مخلوق» ، وذهب إلى تقديم النقل على العقل. يقول فيما يحكيه الباقلاني عنه ويوافقه عليه «لا مدخل للعقل والقياس في ايجاب معرفته وتسميته وإنما يعلم ذلك بفضله من جهته» . وإذا كان أول من قال بالمواضعة الاصطلاحية للغات هو أبو هاشم الجبائي، فإن أول من قال بالتوقيف من غير المعتزلة هو أبو الحسن
الأشعري، وصلة كليهما بأبي علي الجبائي معروفة. فقد جمعت بين التلمذة والبنوة الصريحة عند أبي هاشم، وبين التلمذة وبنوة التربية عند الأشعري. وينقل السيوطي عن الفخر الرازي آراء المختلفين حول هذه القضية «الألفاظ إمّا أن تدلّ على المعاني بذواتها، أو وضع الله إياها، أو بوضع الناس، أو يكون البعض بوضع الله والباقي بوضع الناس، والأول مذهب عباد بن سليمان، والثاني مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك، والثالث مذهب أبي هاشم، وأمّا الرابع فإمّا أن يكون الابتداء من الناس والتتمة من الله، وهو مذهب قوم. أو الابتداء من الله والتتمة من الناس، وهو مذهب الاستاذ أبي إسحاق الأسفراييني» (المزهر 1/ 6) ومن الواضح أن هذا القسم الرابع بفرعيه يمكن إدراجه تحت القسمين الثاني والثالث، فالفرع الأول منه يدخل تحت القول بالاصطلاح، وقد قال به القاضي عبد الجبار فيما تقدم. أمّا الفرع الثاني فهو يدخل بالضرورة تحت القول بالتوقيف. ومن الواضح أن القول الأول قول عباد بن سليمان لم يكتب له الذيوع والانتشار ولم يتحمس له أحد من المشاركين في بحث المشكلة، بل رفضوه جميعا «ودليل فساده أن اللفظ لو دلّ بالذات لفهم كل واحد منهم كل اللغات، لعدم اختلاف الدلالات الذاتية» .