وهذا الخلاف يرتدّ في جذوره الحقيقية، إلى قضية خلق القرآن من جهة، وقضية المعرفة من جهة أخرى. ذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن القرآن «كلام الله غير مخلوق» ، وذهب إلى تقديم النقل على العقل. يقول فيما يحكيه الباقلاني عنه ويوافقه عليه «لا مدخل للعقل والقياس في ايجاب معرفته وتسميته وإنما يعلم ذلك بفضله من جهته» . وإذا كان أول من قال بالمواضعة الاصطلاحية للغات هو أبو هاشم الجبائي، فإن أول من قال بالتوقيف من غير المعتزلة هو أبو الحسن
الأشعري، وصلة كليهما بأبي علي الجبائي معروفة. فقد جمعت بين التلمذة والبنوة الصريحة عند أبي هاشم، وبين التلمذة وبنوة التربية عند الأشعري. وينقل السيوطي عن الفخر الرازي آراء المختلفين حول هذه القضية «الألفاظ إمّا أن تدلّ على المعاني بذواتها، أو وضع الله إياها، أو بوضع الناس، أو يكون البعض بوضع الله والباقي بوضع الناس، والأول مذهب عباد بن سليمان، والثاني مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك، والثالث مذهب أبي هاشم، وأمّا الرابع فإمّا أن يكون الابتداء من الناس والتتمة من الله، وهو مذهب قوم. أو الابتداء من الله والتتمة من الناس، وهو مذهب الاستاذ أبي إسحاق الأسفراييني» (المزهر 1/ 6) ومن الواضح أن هذا القسم الرابع بفرعيه يمكن إدراجه تحت القسمين الثاني والثالث، فالفرع الأول منه يدخل تحت القول بالاصطلاح، وقد قال به القاضي عبد الجبار فيما تقدم. أمّا الفرع الثاني فهو يدخل بالضرورة تحت القول بالتوقيف. ومن الواضح أن القول الأول قول عباد بن سليمان لم يكتب له الذيوع والانتشار ولم يتحمس له أحد من المشاركين في بحث المشكلة، بل رفضوه جميعا «ودليل فساده أن اللفظ لو دلّ بالذات لفهم كل واحد منهم كل اللغات، لعدم اختلاف الدلالات الذاتية» .
ومن الطبيعي أن يستدلّ القائلون بالتوقيف على صحة رأيهم بالآية الكريمة {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا} وكل تفسيرات المفسّرين القدماء ابتداء من ابن عباس يمكن في هذه الحالة أن يستدلّ بها. أما الدليل العقلي فيعرضه ابن فارس على النحو التالي: لو كانت اللغة اصطلاحا لجاز الاستشهاد بأشعار المحدثين وبكلامنا نحن المحدثين، والدليل على أنها توقيف «اجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه، ثم احتجاجهم بأشعارهم. ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحا لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأولى منا في الاحتجاج بنا لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق» غير أن هذا الرأي يؤدّي بداهة إلى انكار فكرة التطور في اللغة، ما دام دليل التوقيف هو الاستشهاد بلغة القدماء دون المحدثين. ويبدو أن ابن فارس بالفعل يؤمن بذلك، وإن كان لا ينكر حدوث التجديد والتطور في اللغة ولكنه يقف بالتطور عند عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حيث بلغت اللغة غاية نضجها وتمامها. ومعنى ذلك أن التوقيف في اللغة لم يتم دفعة واحدة، بل بدأ بآدم، وظلّ يتطور وتنمو اللغة مع احتياج البشر وارسال الرسل، حتى كانت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم «فأتاه الله عز وجل من ذلك ما لم يؤته أحدا قبله تماما على ما أحسنه من اللغة المتقدمة. ثم قرّ الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت» .
وهكذا ينتهي ابن فارس إلى ربط الحاجة للغة بالبعثة، تماما كما فعل أبو علي
الجبائي، وما دامت البعثة والشريعة تأتي من عند الله، واللغة من لوازمها ليفهم عن الله ما أنزل، فهي بدورها توقيف من الله علّمه عباده حتى يفهموا عنه.