«ولا يصحّ أن يعرف المكلّف الأسماء كلها لأنه لا بدّ من مواضعة متقدمة على لغة واحدة ليفهم بها سائر اللغات، فمتى لم تتقدم، لم يصح أن يعرفه مع التكليف، لأن تعريف الأسماء يقتضي تعريف المقاصد ولا يصحّ فيمن يعرف الله باستدلال أن يعرف مقاصده ضرورة» . وإذا كان القاضي قد ربط بين المواضعة والقصد والتكليف من جانب، وبين التفرقة بين العلم الاستدلالي والعلم
الضروري من جانب آخر، وهو أمر لم يتعرّض له الجاحظ بحكم استطراداته، فإن استخدام القاضي لكلمة «القصد» بدلا من كلمة «المعنى» التي استخدمها الجاحظ، يجعلهما بمعنى واحد. ويؤكّد ذلك ما يقوله القاضي في مكان آخر حول نفس الآية «إن ظاهر الاسم إنما يسمى بذلك متى تقدّمت فيه مواضعة، أو ما يجري مجراها، لأنه إنما يصير اسما للمسمى بالقصد» وهي نفس الفكرة التي طرحها الجاحظ من أن الاسم لا يكون اسما إلّا وهو مضمّن بمعنى ويظلّ الخلاف حول تفسير الآية، وحول علاقة الاسم بالمسمى يتردد عند المفسّرين، فالزمخشري يقول في تفسير «الاسماء كلها» «أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الاسماء لأن الاسم لا بدّ له من مسمى وعوّض عنه باللام» ويهاجمه ابن المنير السني لأنه «يفرّ من اعتقاد ان الاسم هو المسمى لأن ذلك معتقد أهل السنة فيعمل الحيلة في ابعاده عن مقتضى الآية» .
وإذا كانت كلمة «القصد» ، عند القاضي تعطي نفس مفهوم كلمة «معنى» عند الجاحظ، فمعنى ذلك أن المواضعة والقصد جانبي الدلالة اللغوية غير منفصلين، إذ المواضعة لا بدّ أن ترتبط بقصد المتواضعين وإلّا استحال التفاهم بينهم. ولكي تؤدي اللغة وظيفة «الإنباء» عند القاضي أو «الابانة» عند الجاحظ، لا بدّ من المواضعة. والمواضعة تعدّ بديلا للاشارة للأشياء بهدف الإخبار عنها. وإذا كانت الاشارة كافية في حالة حضور الأشياء، فإن التسمية تصبح ضرورية للإخبار عنها حالة غيابها عن الإدراك «إذا ثبت أنه يحسن من العاقل أن يشير إلى ما علمه ليعرف به حاله، لم يمتنع أن يعبّر عنه ببعض الأسماء ليعرف غيره حاله ويدلّ على ذلك أن هذه الأسماء إنما احتيج إليها ليقع بها التعريف، ويصحّ بها الإخبار عند غيبة المسميات، لأن الاشارة تتعذّر إليه والحال هذه، فأقيم الاسم عند ذلك مقام الاشارة عند الحضور. فكما تحسن الاشارة عند الحضور، إذا حضر المشار إليه لوقوع الفائدة به للمشير والمشار إليه، فكذلك يحسن الاسم لهذا الغرض عند غيبة المسمى، أو يكون المسمى مما لا يظهر للحواس لأن ذلك في أن الاشارة لا تصحّ إليه على كل وجه بمنزلة المشاهد إذا غاب» وهكذا تتحدد المواضعة بأنها بديل عن الاشارة للأشياء الحسية، وذلك بهدف الاخبار عنها حالة غيابها عن الحواس.
وتصبح المواضعة ضرورية للإخبار عن تلك الأشياء التي لا تظهر للحواس، وذلك كالأفكار المجرّدة التي لا تقع على متعين مخصوص كالبقاء والفناء والقدم الخ كل هذه الألفاظ التي لا يمكن أن تشير إلى موجودات حسية. والتفرقة بين المحسوسات التي يحسن تسميتها، وبن الذهنيات التي يجب تسميتها لاستحالة الاشارة إليها يمكن اعتبارها موازاة للمعرفة الإدراكية الضرورية، والمعرفة النظرية الاستدلالية. وكلا
المستويين من المعرفة يتطلّب الإخبار عنه، وهي الحاجة التي تجعل المواضعة ضرورية، ما دامت وظيفة اللغة هي «الإنباء» عمّا في النفس لتبادل المعرفة والخبرة.