وتصبح المواضعة ضرورية للإخبار عن تلك الأشياء التي لا تظهر للحواس، وذلك كالأفكار المجرّدة التي لا تقع على متعين مخصوص كالبقاء والفناء والقدم الخ كل هذه الألفاظ التي لا يمكن أن تشير إلى موجودات حسية. والتفرقة بين المحسوسات التي يحسن تسميتها، وبن الذهنيات التي يجب تسميتها لاستحالة الاشارة إليها يمكن اعتبارها موازاة للمعرفة الإدراكية الضرورية، والمعرفة النظرية الاستدلالية. وكلا
المستويين من المعرفة يتطلّب الإخبار عنه، وهي الحاجة التي تجعل المواضعة ضرورية، ما دامت وظيفة اللغة هي «الإنباء» عمّا في النفس لتبادل المعرفة والخبرة.
ومما يؤكّد هذه الموازاة أن القاضي كما فصل بين المدرك والمدرك حين ردّ على منكري الإدراك الحسي، وبين العلم والمعلوم واعتبر أن الادراك والعلم يتعلقان بالمدركات وبالمعلومات على ما هي به، دون أن تؤثرا فيها سلبا أو ايجابا، وكذلك كما فصل بين الدلالة العقلية وما تدلّ عليه واعتبرها دلالة مجردة تدلّ بذاتها ولا تؤثر في حال المدلول عليه. كما فعل ذلك كله، نراه يفصل الدلالة اللغوية عن مدلولها فصلا كاملا، ويربط بين التسمية والعلم ربطا تاما «فقد ثبت أن الاسم في تعلقه بالمسمى بمنزلة الخبر عن الشيء، والعلم به، والدلالة عليه، بل هو في ذلك دون مرتبته. فإذا كان العلم والدلالة والخبر لا تؤثر فيما تتعلق به، فالاسم بألا يؤثر أولى. وكذلك لا يصحّ استعماله على وجه يفيد إلّا بعد تقدّم العلم بالمعنى أو الاعتقاد له» . ويظلّ «القصد» هو الرابط الوحيد بين الدلالة اللغوية وما تدلّ عليه. ومعنى ذلك أن المواضعة وحدها تتساوى مع الاشارة. أمّا «القصد» فهو الذي يعطي للمواضعة ثباتها ويحوّل الأصوات إلى دلالة «ولذلك يصحّ أن تتغير اللغات بحسب الدواعي والأغراض» .
إذا كان مفهوم «القصد» عند القاضي عبد الجبار يعني «المعنى» وهو العلاقة بين الاسم والمسمى على مستوى المفردات اللغوية. وهذا القصد ليس من صنع الفرد، بل هو من صنع الجماعة عن طريق المواضعة على مسميات الأشياء. إذا كان الأمر كذلك، فإن مفهوم «القصد» يتسع على مستوى التركيب اللغوي ليعبّر عن «المعنى القائم في النفس» عند الباقلاني.
وإذا كانت وظيفة التسمية ومن ثمّ اللغة قد تحددت في «الإنباء» عمّا في النفس، والإخبار عن الأشياء والأفكار، فمن الطبيعي أن يراعى حال المتكلم وقصده حين نحاول فهم كلامه أو الاستدلال به. ومعنى ذلك أن فهم قصد المتكلم ضروري إلى جانب المواضعة حتى يتمكن أن يفيد الكلام. واصرار المعتزلة هنا على فكرة «القصد» من جانب المتكلم تؤكّد أن المواضعة وحدها في التركيب لا تكفي، فالكلام «قد يحصل من غير قصد فلا يدلّ، ومع القصد فيدلّ، ويفيد. فكما أن المواضعة لا بدّ منها فكذلك المقاصد التي بها يصير الكلام مطابقا للمواضعة» . فالمواضعة على أهميتها وضروريتها لا تكفي وحدها لوقوع الكلام دلالة، لأنها، وإن جعلت الكلام مفيدا ومحتملا للمعاني المتواضع عليها، لا يمكن أن تنفصل فائدتها عن قصد المتكلم الذي يقصد بالكلام إلى أن يكون
دلالة. وخير مثال يوضح ذلك أن المجنون قد يتكلم بكلام مفيد، بمعنى أن ألفاظه وعباراته من الممكن أن تفيد معاني سبقت المواضعة عليها بهذه الألفاظ وتلك العبارات، لكن هذا الكلام الصادر عن المجنون لا يمكن أن يدلّ على قصده. أو بمعنى آخر لا يمكن أن يقع دلالة. ولذلك كله فلا بدّ إلى جانب المواضعة من أن يراعى حال المتكلم وقصده ليستدلّ بكلامه على ما يريد «وإنما اعتبر حال المتكلم لأنه لو تكلم به ولا يعرف المواضعة، أو عرفها ونطق بها على سبيل ما يؤدّيه الحافظ، أو يحكيه الحاكي، أو يتلقنه المتلقن، أو تكلم به من غير قصد لم يدل.